ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

(قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ) أي أسلمتم له وأذعنتم له، ويتضمن معنى المسايرة لموسى والمعاندة له، يقال ءامنتم له وءامنتم به، " وتتضمن التعدية باللام التسليم له والإذعان له، وتتضمن التعدية بالباء الإيمان بالحق الذي جاء به، وقد جاءت التعديات في هذا المقام، فهنا التعدية باللام، وفي سورة الأعراف كانت التعدية بالباء فقد قال تعالى:
(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ).
وفى هذا الاستفهام إنكار للواقع، فهو ينكر إيمانهم الذي وقع، ويوبخهم عليه، وموضع التوبيخ أنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم وهو بذلك يصل بهم إلى أعلى درجات العنت والطغيان، فهو يعلن بهذا أن حكمه يصل إلى فكرهم وقلوبهم، ويحقق فيهم قوله (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).
كان فرعون على رأس طريق أخذ يسلكه السحرة، فلم يقل الحق ويذعن، ويسلك سبيل الرشاد، بل أخذ يموِّه الحق بتمويه من الباطل، فرآهم تبعوا موسى فما أذعن للحق الذي تقاضى مع موسى فيه، بل أخذ يماري، ولا يقول إنه غلبهم، لأنه على الحق، بل لأنه أكبر منهم قدرة وطاقة، وأنه منهم بمنزلة المعلم الذي علمهم، فقال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكمُ السِّحْرَ)، فهو أسحر منهم وأعلم، وهم منه بمنزلة التلميذ من المعلم، فلم يغلبهم لأنه المحق وهم المبطلون، وإنما غلبهم لأنه أسحر منهم وأعلم، وهكذا كانت المعاندة لآيات الله وقد برزت.
ولأنهم على رأس طريق جديد وهو الخروج على طاعته ومقاومة جبروته، والاستعلاء بربهم على طغيانه - وضع العقبات وأنزل بهم العذاب الشديد، فقال: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) " الفاء " للسببية، أي بسب ما فعلتم لَأُقَطِّعَنَّ أيديكم.
في هذا الكلام قسم بما يُقسم به عنده، و " اللام " لام القسم، ولذا كانت " نون " التوكيد الثقيلة، التي تلازم القسم في اللغة، والتقطيع للأيدي والأرجل بصيغة التفعيل يدل على كثرة القطع، لكثرة من قطعمت أيديهم وأرجلهم، وقوله (مِّنْ خِلافٍ) أي تختلف جهة القطع، فإذا قطعت اليد اليمنى، تقطع الرجل اليسرى،

صفحة رقم 4752

وهكذا، وقال مقسما أيضا بما يُقسم به عندهم (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النَّخْلِ) وقالوا: إن (فِي) هنا بمعنى " على "، وعبر بـ " في " لبيان تمكن الصلب استقرارهم على جذوع النخل، وهذا الصلب على الجذوع يومئ إلى بقائهم على الصلب حتى يموتوا فهو قتل وتقطيع، ثم قال مقالة الجهالة والطغيان: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى).
أقسم الجهول في قوله هذا بما يُقسم به عندهم، و (أَيُّنَا) استفهام، وهي تفيد التنبيه في زعمه إلى أنه أشد عذابا وأقسى من موسى، وأبقى أثرا في عذابه من موسى، وهو جهل طاغ لأن موسى لَا يعذِّب، ولكن يرشد ويهدي، إنما الذي يعذب هو الله ربَّ موسى وهارون، وعذابه أليم هو جهنم يخلد فيها فرعون ومن يتبعه.
من دخل الإيمان قلبه يعمره الله بنوره ويستهين بالحياة والأحياء ولو كانوا فرعون وقبيله، ولذا أجابوا عن تهديده الذي ثفذه بقولهم كما حكى الله تعالى عنهم:

صفحة رقم 4753

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية