٧٦ - قوله تعالى: وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢).
ومعنى تَزَكَّى تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير.
٧٧ - قوله تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي سر بهم ليلًا من أرض مصر فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق (٣). فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب.
وقوله تعالى: يَبَسًا قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) (٤). وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) (٥)، وأنشد لعلقمة بن عبدة (٦):
(٢) "الكشف والبيان" ٣/ ٢٢ أ، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٨٦.
(٣) "جامع البيان" ١٦/ ١٩١، "تفسير كتاب الله العزيز" ٣/ ٤٥، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٨٦.
(٤) "تهذيب اللغة" (يبس) ٤/ ٣٩٧٣.
(٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٢٤.
(٦) البيت لعلقمة بن عبدة التميمي.
خَشْخَش: الخشخاش الجماعة عليهم سلاح ودروع. واليَبَس: بالفتح اليابس، وهو نقيض الرطوبة.
انظر: "ديوانه" ص ١٠٧، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٢٤، "الاقتضاب" ص ٤٦٠، "لسان العرب" (خشخش) ٢/ ١١٦٤.
| تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ | كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب |
| ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه | مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها |
وقوله تعالى: لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) (٥).
وقال سيبويه: (لَا تَخَافُ دَرَكًا] (٦) رفعه على وجهين أحدهما: على
(٢) البيت لذي الرمة.
والخلصاء: مكان. وعنت به: أنبتته نباتًا حسنًا. واليبس: ما يبس من العشب والبقول التي تتناثر إذا يبست. والهجير: يبيس الحمض الذي كسرته الماشية. وهجر: ترك. انظر: "ديوان ذي الرمه" ص ٣٠٥، "تهذيب اللغة" (يبس) ٤/ ٣٩٧٣، "لسان العرب" (هجر) ٨/ ٤٦١٦.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٦٩.
(٤) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٣، "الدر المنثور" ٤/ ٥٤٣.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٩١، "الكشف والبيان" ٣/ ٢٢ أ، "تفسير كتاب الله العزيز" ٣/ ٤٥، "النكت والعيون" ١٦/ ١٩١، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٨٦.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).
الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) (١).
وقرأ حمزة: لا تخف جزمًا (٢). وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم (٣) فرعون) (٤). والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) (٥).
قال أبان بن تغلب (٦) وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) (٧).
وهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) (٨). كما قال الله تعالى: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [آل عمران: ١١١]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف
(٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (لا تخافُ دركا) رفعًا بألف. وقرأ حمزة: (لا تخفْ دركا) جزمًا بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص ٤٢١، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٣٩، "الغاية في القراءات" ص ٣٢٣، "النشر" ٢/ ٣٢١.
(٣) في نسخة (ص) يدكك.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٧٠.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٣٩.
(٦) هو الجريري، له كتاب في غريب القرآن توفي سنة (١٤١ هـ)
(٧) أورد نحوه الزجاج في "معاني القرآن" ٣/ ٣٧٠ بلا نسبة، والزمخشري في "الكشاف" ٢/ ٥٤٧، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٢٢٨.
(٨) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٨٧، "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ١٢٥.
العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر (١) الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال (٢):
هُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى
[وقال آخر (٣):
| هَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا | مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] (٤) |
(٢) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
الجَنَى: الرطب والعسل، وكل ثمر فهو جنى، والإجتناء أخذك إياه.
انظر: "جامع البيان" ١٦/ ١٩٢، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٨٧، "تهذيب اللغة" (جنى) ١/ ٦٧٤، "لسان العرب" (جنى) ٢/ ٧٠٧.
(٣) ينسب هذا البيت لأبي عمرو بن العلاء، يخاطب به الفرزدق عندما جاء إليه معتذرًا من أجل هجو بلغه عنه.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٤٠، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٨٨، "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٣٥٢، "الإنصاف" ١٩، "خزانة الأدب" ٨/ ٣٥٩، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٣٦٠، "معجم الأدباء" ١١/ ١٥٨، "شرح شواهد الشافية" ص ٤٠٦، "شرح المفصل" ١٠/ ١٠٤.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٥) البيت لقيس بن زهير العبسي.
تنمي: تبلغ. لبون: اللبون من الشاة والإبل ذات اللبن.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٤٠ "الكتاب" ١/ ٣٢، "الخزانة" ٣/ ٥٣٤، "الخصائص" ١/ ٣٣٣، "الأغاني" ١٧/ ١٣١، "شرح شواهد الشافعية" ص ٤٠٨، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٨٨، "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٣٥٢، "سر صناعة الإعراب" ١/ ٧٨، "المحتسب" ١/ ٦٧.
| أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي | بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد |
قال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله (٣):
كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
ولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: ٦٧]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] (٤) في كلامهم) (٥)، قال (٦):
| فَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى | ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ |
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٨٨.
(٣) هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وصدره:
وتضحك مني شيخة عبشمية
انظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ٧٦، "الحجة" ٥/ ٢٣٩، "ذيل الأمالي" ص ١٣٤، "خزانة الأدب" ٢/ ٢٠١، "الأغاني" ١٦/ ٢٥٨، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٦٧٥، "المحتسب" ١/ ٦٥، "شرح المفصل" ٥/ ٩٧، "لسان العرب" (شمس) ٢/ ١٩٢٦.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٤٠.
(٦) اليت لابن هرمة يرثي ابنه. والغوائل: نوازل الدهر. بمنتزاح: ببعد عنه.
انظر: "ديوان ابن هرمة" ٩٢، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٢٤٠، "المحتسب" ١/ ١٦٦، "المسائل الحلبيات" ١١٢، "الأشباه والنظائر" ٢/ ٣٠، "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٥، "الخصائص" ٢/ ٣١٦، "شرح شواهد الشافية" ص ٢٥، "الإنصاف" ١/ ٢٥، "خزانة الأدب" ٧/ ٥٥٧، "لسان العرب" (نزح) ١٤/ ١٠٤.
وقال أبو الفتح الموصلي: (العرب قد تشبع الفتحة فيتولد بعدها ألف؛ لأن الألف في الحقيقة فتحة مشبعة، أنشد سيبويه (١):
| فَبَيْنَا نَحْنُ نَرقُبُه أَتَانَا | عُلِّقَ وَفْضَةٍ وَزِنادَ راعِي |
قال الليث: (الدَّرَك: إدراك الحاجة يقال: بكر ففيه درك) (٤).
وقال شمر: قال أبو عدنان: (يقال: أدركوا ماء الرُّكَيَّةَ (٥) إِدْراكًا ودَرَكًا) (٦).
قال الأخفش: (ومعنى الآية: اضرب لهم طريقًا لا تخاف فيه دركا، وحذف فيه كما تقول: زيد أكرمت أي: أكرمته، وكما قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا
انظر: "الكتاب" ١/ ١٧١، "المحتسب" ٢/ ٧٨، "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٣، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٧٩٨، "خزانة الأدب" ٧/ ٧٤، "شرح المفصل" ٤/ ٩٧، "الأشباه والنظائر" ٢/ ٣٦، "لسان العرب" (بين) ١/ ٥٦١.
(٢) "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٣.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (درك) ٢/ ١١٧٦، "لسان العرب" (درك) ٣/ ١٣٦٣، "المعجم الوسيط" (الدرك) ١/ ٢٨١.
(٤) "تهذيب اللغة" (درك) ٢/ ١١٧٦، "لسان العرب" (درك) ٣/ ١٣٦٣.
(٥) الرُكَية: بئر تحفر، وهي جنس للركية وهي البئر.
انظر: "تهذيب اللغة" (ركا) ٢/ ١٤٥٥، "لسان العرب" (ركا) ٣/ ١٧٢٢، "المعجم الوسيط" (الركية) ١/ ٣٧١.
(٦) "تهذيب اللغة" (درك) ٢/ ١١٧٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي