وَأَمَّا ثُبُوتُ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فَيَقُولُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
| يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شَقِيقِيَ | نَفْسِي أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ |
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السَّامِرِيُّ مِنْ حُلِيِّ الْقِبْطِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَاهًا؟ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَصَرَ الْإِلَهَ أَيِ: الْمَعْبُودَ بِحَقٍّ بِـ إِنَّمَا الَّتِي هِيَ أَدَاةُ حَصْرٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي خَالِقِ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ. الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِالْحَقِّ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، وَهُوَ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. وَقَوْلُهُ عِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الْفَاعِلِ، أَيْ: وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ذَكَرَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ تَعَالَى. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْآيَةَ [٣ ٢]، وَقَوْلِهِ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْآيَةَ [٤٧ ١٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلِهِ فِي إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [١٠ ٦١]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [٦ ٥٩]، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ.
الْكَافُ فِي قَوْلِهِ كَذَلِكَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا سَبَقَ قَصَصًا مِثْلَ ذَلِكَ الْقَصَصِ الْحَسَنِ الْحَقِّ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَعَنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ، وَالسَّامِرِيِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ لِلتَّبْعِيضِ، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يُقْصَصْ عَلَيْهِ خَبَرُهُ وَيَدُلُّ لِهَذَا صفحة رقم 93
الْمَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [٤ ١٦٤]، وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ «الْمُؤْمِنِ» : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [٤٠ ٧٨]، قَوْلُهُ فِي سُورَةِ «إِبْرَاهِيمَ» أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [١٤ ٩]، . وَالْأَنْبَاءُ: جَمْعُ نَبَأٍ وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّهُ قَصَّ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَارَ الْمَاضِينَ. أَيْ: لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ صِدْقَ نُبُوَّتِهِ، لِأَنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ، وَلَا يَقْرَأُ الْكُتُبَ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ أَخْبَارَ الْأُمَمِ وَقِصَصَهُمْ. فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ ذَلِكَ لَمَا عَلِمَهُ. بَيَّنَهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي «آلِ عِمْرَانَ» : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [٣ ٤٤]، أَيْ: فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْكَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لَكَ عِلْمٌ بِهِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «هُودٍ» تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [١١ ٤٩]، وَقَوْلِهِ فِي «هُودٍ» أَيْضًا: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ الْآيَةَ [١١ ١٢٠]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «يُوسُفَ» : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [١٢ ١٠٢]، وَقَوْلِهِ فِي «يُوسُفَ» أَيْضًا: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [١٢ ٣]، وَقَوْلِهِ فِي «الْقَصَصِ» : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ [٢٨ ٤٤]، وَقَوْلِهِ فِيهَا: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [٢٨ ٤٦]، وَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [٢٨ ٤٥]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. يَعْنِي لَمْ تَكُنْ حَاضِرًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِتِلْكَ الْوَقَائِعِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْكَ ذَلِكَ لَمَا عَلِمْتَهُ. وَقَوْلِهِ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ أَيْ: أَخْبَارِ مَا مَضَى مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَمِ، وَالرُّسُلِ.
قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا.
أَيْ: أَعْطَيْنَاكَ مِنْ عِنْدِنَا ذِكْرًا وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. كَقَوْلِهِ: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [٢١ ٥٠]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [٣ ٥٨]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي