ثم قال موسى لقومه: إن هذا العجل الذي فتنكم به السامري ليس بإله، إنما إلهكم الله، الذي لا إله إلا هو، فهو سبحانه المستحق للعبادة، ولا تصح العبادة إلا له، فكل شيء مفتقر إليه، وعبد له، وهو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا.
جزاء المعرضين عن القرآن الكريم
القرآن العظيم: هو كتاب حق وهداية، ونور وإسعاد للبشرية، فمن عمل به فاز، ومن أعرض عنه خاب وخسر، وتعرّض لألوان العذاب والعقاب يوم القيامة لأن الله تعالى خالق الخلق ورازق الأمم والأفراد أراد أن ينظم لهم حياتهم، فأنزل القرآن من أجل التنظيم الحياتي والحياة السعيدة، ويكون المعرض عن القرآن مؤثرا الحياة الفوضوية، والأهواء التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى الدمار والخراب. قال الله تعالى واصفا جزاء المعرضين عن آي القرآن الكريم في الآيات التالية:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٩ الى ١٠٤]
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣)
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [طه: ٢٠/ ٩٩- ١٠٤].
هذه الآيات الشريفة مخاطبة للنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل في خبر العجل وعبادتهم له، كذلك نقص عليك أخبار الأمم السابقة، كما
(٢) أي سود الألوان زرق العيون والأجساد، وهي غاية في التشويه، لأنهم كلون الرماد.
(٣) يتسارّون.
(٤) أعدلهم وأفضلهم رأيا.
وقعت، من غير زيادة ولا نقصان، لتكون عبرة وعظة، وذات فائدة في فهم ظروف الأحداث الجديدة، وأحوال الأمة في معاداة رسولها. وقد أعطيناك من عندنا ذكرا، وهو القرآن المجيد، لتتذكر به على الدوام، ولأنه لم يعط نبي من الأنبياء قبلك مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر المتقدمين غيره، وفيه صلاح الدين والدنيا والآخرة، ويكون المراد من كلمة (الذكر) القرآن.
وكل من كذب بالقرآن وأعرض عن اتباعه، فلم يؤمن به، ولا عمل بشرائعه وأحكامه، وابتغى الهدى في غيره، فإن هذا المعرض يتحمل إثما عظيما، ويتعرض لعقوبة ثقيلة يوم القيامة، بسبب إعراضه عن كتاب الله، كما جاء في آية أخرى:
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: ١١/ ١٧].
والإعراض عن القرآن يشمل كل من بلغه هذا الكتاب، من العرب والعجم من أهل الكتاب وغيرهم من الوثنيين والماديين، وأصحاب النّحلات والملل، والمذاهب الفاسدة، والعقائد الباطلة.
ويكون أولئك المعرضون عن القرآن خالدين ماكثين على الدوام في الجزاء الأخروي، وهو النار لا محيد لهم عنه، وبئس الحمل الذي حملوه حملهم من الأوزار والأثقال، جزاء إعراضهم.
إن يوم القيامة: هو اليوم الذي ينفخ فيه في الصور النفخة الثانية، نفخة البعث التي يحشر الناس بعدها للحساب، وفي هذا اليوم يجمع المجرمون أيضا: وهم المشركون والعصاة، سود الألوان، زرق العيون والأبدان، كلون الرماد، وهذا غاية التشويه والإساءة، علامة على سوء أحوالهم، وإنذارهم بسوء الحساب والعقاب، وما يتعرضون له من الأهوال العظام.
هؤلاء المجرمون المحشورون على أسوأ حال ولون يتخافتون، أي يتسارون فيما
بينهم، في مدة البقاء في الدنيا، فيقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا بمقدار عشرة أيام أو نحوها، إنهم يجدون مدة بقائهم في الدنيا أو القبور قصيرة جدا، إذا قورنت بأيام الآخرة، فقوله تعالى عن المجرمين: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يتسارّون، والمعنى: أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم وأفكارهم، قد عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها في الدنيا ومدة العمر. وعبّر الله تعالى عن قصر المدة بالعشر لأن القليل في مثل هذا الموضع لا يعبر عنه إلا بالعشر.
ثم يقول الله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ... أي نحن أعلم بما يتناجون، وبما يقولون في مدة لبثهم أو مكثهم، حين يقول أمثلهم طريقة، أي أعدلهم قولا، وأكملهم رأيا وعقلا، وأعلمهم بالحقيقة: ما لبثتم إلا بمقدار يوم واحد، لأن دار الدنيا كلها، وإن طالت في أنظار الناس، كأنها يوم واحد: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٢٢/ ٤٧].
وهذا يدلّنا على أن معايير الزمن ومقاييسه، تتغير عند الله في الآخرة، فليس اليوم أو السنة من أيام وسنين الدنيا شيئا يذكر بالنسبة للآخرة، فهو كالساعة أو اللحظة، وفي هذا رهبة وإثارة خوف وفزع، والحق أن أهوال الآخرة تلجم الألسنة، وتخرس الأفواه، وتشتت الأذهان والأفكار، وتوقع النفوس في الحيرة والقلق والدهشة، فتصير الموازين مختلة، والحسابات مضطربة.
تغير أوضاع الدنيا يوم القيامة
قد يظن بعض الناس من الطبيعيين والماديين أن نظام الكون من الأرض والسماء يدوم على هذه الحال في عالم القيامة، وهذا خطأ بيّن لأن اختلاف الأشياء يستتبع اختلاف الأحوال، فلا نشاهد يوم القيامة عالم السماء الحالي، ولا نظام الأرض
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي