فإن تولوا عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، فقل آذنتُكم أي : أعلمتكم ما أُمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا على سواءٍ ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل : وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته.
وإِنْ أَدْرِي أي : ما أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدون من البعث والحساب متى يكون ؛ لأن الله تعالى لم يُطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبيَاء : ٩٧ ]، أو : لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين.
ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص -وهو توحيد العيان- : القواطع الأربع : النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم : الناس -أي : عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. قل ربِّ احكم بالحق ؛ أي : احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغَهُ، وربنا الرحمان المستعان به على ما تصفون من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي