ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

فإن تولوا عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، فقل آذنتُكم أي : أعلمتكم ما أُمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا على سواءٍ ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل : وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته.
وإِنْ أَدْرِي أي : ما أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدون من البعث والحساب متى يكون ؛ لأن الله تعالى لم يُطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبيَاء : ٩٧ ]، أو : لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : الأنبياء -عليهم السلام- خُلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى : وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين . هـ. وقال أيضًا : الأنبياء -عليهم السلام- لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم :" وأنا النعمة المهداة "، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة : الوصول إلى التوحيد الخاص ؛ لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال : قل إنما يُوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد... الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبُعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين.
ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص -وهو توحيد العيان- : القواطع الأربع : النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم : الناس -أي : عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. قل ربِّ احكم بالحق ؛ أي : احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغَهُ، وربنا الرحمان المستعان به على ما تصفون من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير