ﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

قوله : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ اعلم أن أهل السنة١ استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور :
أحدها : أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة٢ معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن٣ الاستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها : أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى فيفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها : أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت٤ إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها : أنه إن فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكناً منه. فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً. وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى٥ محال.
وخامسها : لو كان فعلاً معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وان يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء٦ من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء.
وسادسها : أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له : لم فعلت ذلك ؟
وسابعها : أن من قال لغيره : لم فعلت ذلك ؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب ؟ فذلك على الله محال، وإن هذه باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضاً محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله : لم فعلت ؟ وإنّ كل شيء صنعه لا علة لصنعه٧. وأما المعتزلة فإنهم٨ سلموا أنه يجوز أن يقال : الله عالم بقبح القبيح، وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله٩ : لم فعلت هذا١٠ ؟ ثم قال تعالى :«وهُمْ يُسْأَلُونَ » وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه١١ :
أحدها : قالوا : التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتناع الترجيح يكون تكليفاً بالمحال. والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف ما لا يطاق.
وثانيها١٢ : قالوا : كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً لا يطاق.
وثالثها : قالوا : سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة١٣ فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً للعقاب١٤ لم يكن نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرر عائد إليه. وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم.
والجواب من وجهين :
الأول : أن غرضكم١٥ من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض.
والثاني : أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف١٦ كلها تكليف ( بما لا يطاق )١٧ فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله١٨ تعالى : لِمَ كلفت عبادك، إلا أنَّا قد بيَّنا أنه سبحانه لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، فظهر بهذا أن قوله : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أصل لقوله : وَهُمْ يُسْأَلُونَ فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن. فإن قيل : وَهُمْ يُسْأَلُونَ متأكد بقوله : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ١٩ وبقوله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ٢٠ إلا أَنَّهُ يناقضه قوله : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ٢١.
فالجواب : أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعاً للتناقض٢٢.

فصل٢٣


قالت المعتزلة :( فيه وجوه :
أحدها )٢٤ : أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن٢٥ والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما٢٦ من حقه الحمد.
وثانيها : أنه يجب أن يسأل٢٧ عن المأمور به إذ لا فاعل٢٨ سواء.
وثالثها : أنه لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم.
ورابعها : أن علمهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم.
وخامسها : أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ٢٩.
وهذا يقضي أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ٣٠ ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى.
والجواب هو٣١ المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب عِلِّيَّة أفعال الله تعالى.

فصل٣٢


في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل٣٣ من أثبت الله تعالى٣٤ شريكاً ليس عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا : رأينا في العالم خيراً وشراً، ولذة وألماً، وحياة وموتاً، وصحة وسقماً، وغنى وفقراً، وفاعل خير وفاعل شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشرّيراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً ( للخير والآخر للشر )٣٥، فرجع حاصل هذه القسمة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً فلم خصَّ هذا بالحياة والصحة والغنى، وخصَّ هذا بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥-١٥٦..
٢ في الأصل: الصلة. وهو تحريف..
٣ في ب: إلى..
٤ في ب: افتقر..
٥ تعالى: سقط من ب..
٦ ابتداء: سقط من ب..
٧ في الأصل: صنعه. وهو تحريف..
٨ في ب: فإن..
٩ في ب: له..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥-١٥٦..
١١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٦-١٥٧..
١٢ في ب: وثانيهما. وهو تحريف..
١٣ في ب: الفائدة. وهو تحريف..
١٤ في ب: للعذاب..
١٥ في النسختين: أن عرضه. والتصويب من الفخر الرازي..
١٦ في ب: التكليف. وهو تحريف..
١٧ ما بين القوسين سقط من ب..
١٨ في ب: الله..
١٩ [الحجر: ٩٢]..
٢٠ [الصافات: ٢٤]..
٢١ [الرحمان: ٣٩]..
٢٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٦-١٥٧..
٢٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٧-١٥٨..
٢٤ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٢٥ في ب: المحسن. وهو تحريف..
٢٦ بما: سقط من الأصل..
٢٧ في الأصل: أنه لا يجب أن يسأل..
٢٨ في ب: فاعلي. وهو تحريف..
٢٩ [النساء: ١٦٥]..
٣٠ [طه: ١٣٤]..
٣١ في ب: هي. وهو تحريف..
٣٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥..
٣٣ كل: سقط من ب..
٣٤ تعالى: سقط من الأصل..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية