ثم يقول الحق سبحانه : وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ( ٣٢ ) .
سمى السماء سقفا ؛ لأن السماء كل ما علاك فأظلك، وفرق بين سقف من صنع البشر يعتمد على أعمدة ودعائم.. الخ، وسقف من صنع الخالق العظيم، سقف يغطي الأرض كلها ومحفوظ بلا أعمدة، سقف مستو لا نتوء فيه ولا فتور.
والسماء أخذت دورا تكوينيا خصها الله به كما خص آدم عليه السلام ؛ فالخلق جميعا خلقوا بكن من أب وأم، أما آدم فقد خلق خلقا مباشرا بيد الله سبحانه، لذلك قال تعالى : قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي.. ( ٧٥ ) ( ص ) وهذا شرف كبير لآدم.
وكذلك قال في خلق السماء : والسماء بنيناها بأيد١.. ( ٤٧ ) ( الذاريات ).
وفي آية أخرى قال سبحانه : والسماء ذات الحبك ( ٧ ) ( الذاريات ) : يعني : محبوكة ومحكمة، والحبكة معناها أن ذراتها التي لا تدرك ملتحمة مع بعضها، ليس التحاما كليا إنما التحام ذرات ؛ لذلك ترى السماء ملساء ؛ ولذلك قال عنها الخالق عز وجل : رفع سمكها٢فسواها ( ٢٨ ) ( النازعات ).
ولك أن تلاحظ صنعة البشر إذا أراد أحدنا أن يبني مثلا، أو يصنع سقفا، فالبناء يبنى بمنتهى الدقة، ومع ذلك ترى طوبة بارزة عن طوبة، فيأتي عامل المحارة فيحاول تسوية الجدار، ويزنه بميزان الماء، ومع ذلك نجد في الجدار تعاريج، ثم يأتي عامل الدهانات فيحاول إصلاح مثل هذه العيوب فيعد لها معجونا ويكون له في الحائط دور هام.
وبعد أن يستنفد الإنسان كل وسائله في إعداد بيته كما يجب تأتي بعد عدة أيام، فترى الحق – سبحانه وتعالى – يعدل الجميع، ويظهر لهم عيوب صنعتهم مهما بلغت من الدقة بقليل من الغبار ينزل عموديا فيريك بوضوح ما في الحائط من عيوب.
وإذا كانت صنعة البشر تختلف باختلاف مهارة كل منهم وحذقه في عمله، فما بالك إن كان الصانع هو الله الذي يبني ويسوي ويزين ؟
الذي خلق سبع سماوات طباقا٣ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.. ( ٣ ) ( الملك ).
وانظر إلى أمهر الصناع الآن، يسوي سقفا لعدة حجرات، ويستخدم مادة واحدة ويلونها بلون واحد، لا بد أن تجد اختلافا من واحدة للأخرى، حتى إن خلط العامل اللون مرة واحدة لكل الحجرات يأتي اللون مختلفا، لماذا ؟ لأنه حين يأخذ من هذا الخليط تجد ما يتبقى أكثر تركيزا، فإذا لم يكمل العمل في نفس اليوم تجد ما تبقى إلى الغد يفقد كمية من الماء تؤثر أيضا في درجة اللون.
ومعنى : محفوظا.. ( ٣٢ ) ( الأنبياء ) : أي : في بنية تكوينية ؛ لأنه محكم لا اختلاف فيه، ولا يحفظ إلا الشيء النفيس، تحافظ عليه لنفاسته وأصالته، لكن من أي شيء يحفظه الله ؟ يحفظها أن تمور، يحفظها أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. ( ٦٥ ) ( الحج ).
وقال : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره.. ( ٢٥ ) ( الروم ).
إذن : في خلق السماء عظمة خلق، وعظمة تكوين، وعظمة صيانة تناسب قدرته تعالى، ولا يقدر عليها إلا الله. فالصيانة من عندنا نحن، ولن نترك لكم صيانتها، وإن كانت لا تحتاج إلى صيانة لأنها صنعتنا.
ومن المسائل التي بينها لنا الحق – سبحانه وتعالى – في أمر السماء مسألة استراق السمع، فكانت الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع٤، لكن بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شاء الحق سبحانه ألا يدلس على دعوته بسماع شيطان يوحي إلى أعدائه، فمنع الجن من استراق السمع بالشهب، فقال سبحانه : ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ( ١٦ ) وحفظناها من كل شيطان رجيم ( ١٧ ) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ( ١٨ ) ( الحجر ).
ثم يقول الحق سبحانه : وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ( ٣٢ ) ( الأنبياء ) : كأن للسماء آيات خاصة بها، ففي الكون آيات كثيرة، وللسماء آياتها، فالشمس والقمر والنجوم والأفلاك من آياتها.
وبعد ذلك نسمع من رجال الأرصاد أن من كواكب السماء ما لم يصلنا ضوؤه منذ خلق الله الأرض حتى الآن، مع أن سرعة الضوء ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، ويمكن أن نفهم هذا في ضوء قوله تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ( ٤٧ ) ( الذاريات ).
لذلك يعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة تقريبية لهذه المسألة، حتى لا نرهق أنفسنا بالتفكير فيها :( ما السماوات والأرض وما بينهما بالنسبة لملك الله إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة )٥.
ومع ذلك لما صعد رواد الفضاء للقمر سارع بعض علمائنا من منطلق حبهم للإسلام وإخلاصهم للقرآن بالقول بأنهم صعدوا للسماء، وهذا هو المراد بقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ( ٣٣ ) ( الرحمن ).
والمراد هنا : سلطان العلم الذي مكنهم من الصعود.
لكن ما داموا نفذوا بسلطان العلم، فلماذا قال بعدها : يرسل عليكما شواظ٦من نار ونحاس فلا تنتصران ( ٣٥ ) ( الرحمن ) : إذن : السلطان المراد ليس هو سلطان العلم كما يظنون، إنما المراد سلطان مني، بإذني وإرادتي.
ولو كان الأمر كما يقولون لقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بالمعراج : كيف تقول ذلك يا محمد وربك هو القائل : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار٧السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ( ٣٣ ) ( الرحمن ).
إذن : المراد هنا سلطان من الله تعالى هو سبحانه الذي يأذن بهذه المسألة، فتفتح له أبواب السماء.
ثم ما علاقة القمر بالسماء ؟ والكلام عن النفاذ من أقطار السماوات، وأين القمر من السماء ؟ إن المسافة بين الأرض والقمر سنتان ضوئيتان، فالقمر – إذن – ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض، كالمعادي مثلا بالنسبة للقاهرة، فأي سماء هذه التي يتحدثون عنها ؟ !
وقوله تعالى : معرضون ( ٣٢ ) ( الأنبياء ) : سبق أن تحدثنا عن الإعراض، وهو الانصراف عن الشيء من أعرض يعني : أعطاه ظهره.
٢ أي: جعل سقفها مرفوعا عاليا، أو جعل المسافة بينها وبين الأرض بعيدة. (القاموس القويم ١ / ٣٩٩)..
٣ أي: طبقة فوق طبقة. (القاموس القويم ١ / ٣٩٩). قال ابن كثير في تفسيره (٤ / ٣٩٦): أي: (طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان: أصحهما الثاني كما دل على ذلك حديث الإسراء)..
٤ قال تعالى عن الجن أنهم قالوا: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (٨) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (٩) (الجن) قال ابن عباس: كان الشياطين لهم مقاعد في السماء يستمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا أمر حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وأبو نعيم في دلائل النبوة، (أورد السيوطي في الدر المنثور ٨ / ٣٠٢)..
٥ أخرجه ابن حبان (٩٤ – موارد الظمآن) من حديث طويل لأبي ذر الغفاري وفيه: (يا أبا ذر، ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة)..
٦ الشواظ: بضم الشين وكسرها، القطعة من اللهب ليس فيها دخان. (القاموس القويم ١ / ٣٦١)..
٧ الأقطار: جمع قطر، وهو الناحية والجانب، فأقطار السماوات والأرض: نواحيها. (لسان العرب – مادة: قطر)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي