ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

ثم يقول الحق سبحانه :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( ٣٣ ) .
الحق – سبحانه وتعالى – يمتن ببعض خلقه، ولا يمتن الله إلا بشيء عظيم ونعمة من نعمه على عباده، ومن ذلك الليل والنهار، وقد أقسم سبحانه بهما في قوله تعالى : والليل إذا يغشى ( ١ ) والنهار إذا تجلى ( ٢ ) ( الليل ).
وقال : والضحى ( ١ ) والليل إذا سجى ( ٢ ) ( الضحى ) : فالليل والنهار آيتان متكاملتان، ليستا متضادتين، فالأرض خلقها الله ليعمرها خليفته فيها : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. ( ٦١ ) ( هود ).
أي : طلب منكم عمارتها بما أعطاكم الله من مقومات الحياة، فالعقل المدبر، والجوارح الفاعلة، والقوة، والمادة كلها مخلوقة لله تعالى، وما عليك إلا أن تستخدم نعم الله هذه في عمارة أرضه، فإذا ما تمت الحركة في النهار احتاج الجسم بعدها إلى الراحة في الليل.
لذلك كان النوم آية عظمى من آيات الله للإنسان تدل على أن الخالق – عز وجل – أمين على النفس أكثر من صاحب النفس.
لذلك نرى البعض منا يرهق نفسه في العمل، ولا يعطي لجسده راحته الطبيعية، إلى أن يصير غير قادر على العمل والعطاء، وهنا يأتي النوم كأنه رادع ذاتي فيك يجبرك على الراحة، ويدق لك ناقوس الخطر : أنت لست صالحا الآن للعمل، ارحم نفسك وأعطها حقها من الراحة، فإن حاولت أنت أن تنام قبل وقت النوم يتأبى عليك ولا يطاوعك، أما هو فإن جاء أخذك من أعتى المؤثرات، وغلبك على كل شيء فتنام حتى على الحصى.
وفي المثل العربي :( فراش المتعب وطئ، وطعام الجائع هنئ ) أي : حين ينام الإنسان المتعب المجهد ينام، ولو على الحصى، ودون أي وسائل الراحة، ومع ذلك ينام نومة مريحة.
وفي المثل أيضا :( النوم ضيف، إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك ) والحق سبحانه يحدثنا عن آية النوم في موضع آخر : ومن آياته منامكم بالليل والنهار.. ( ٢٣ ) ( الروم ).
وهنا احتياط وملحظ، فإن كان النوم بالليل للسكن وللراحة، فهناك من يعملون بالليل، فينامون بالنهار كالحراس ورجال الشرطة والخبازين وغيرهم، وهؤلاء لا مانع أن يناموا بالنهار ليسايروا حركة الحياة.
ثم يقول تعالى : والشمس والقمر.. ( ٣٣ ) ( الأنبياء ) : نعم هناك آيات أخرى كثيرة في كون الله، لكن أوضحها وأشهرها : الشمس والقمر فهما تحت المشاهدة كل في فلك يسبحون ( ٣٣ ) ( الأنبياء ) : فالليل والنهار والشمس والقمر يدور كل منهم خلف الآخر ويخلفه كما قال سبحانه : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة.. ( ٦٢ ) ( الفرقان ).
وكلمة : يسبحون ( ٣٣ ) ( الأنبياء ) : تعبير قرآني دقيق للأداء الحركي، وهي مأخوذة من سبحة السمك في الماء حيث يسبح السمك في ليونة الماء بحركة إنسيابية سهلة ؛ لأن الحركة لقطع المسافات إما حركة انسيابية، وإما حركة قفزية.
وتلاحظ هاتين الحركتين في عقارب الساعة، فلو لاحظت عقرب الثواني مثلا لوجدته يتحرك حركة قفزية، يعني : ينطلق من الثبات إلى الحركة إلى الثبات، فالزمن فيه جزء للحركة وجزء للسكون. أما عقرب الدقائق فيسير بحركة انسيابية مستمرة، كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة، وهكذا تكون سبحة السمك، ومنها قوله تعالى : والسابحات سبحا ( ٣ ) ( النازعات ).
وكذلك تكون حركة الظل : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل.. ( ٤٥ ) ( الفرقان )، وأيضا حركة نمو الطفل، فلو أدمت النظر إلى طفلك الصغير لا تكاد تلاحظ عليه مظاهر النمو، وكأنه لا يكبر أمام عينيك، أما لو غبت عنه مثلا عدة شهور يمكن أن تلاحظ نموه ؛ ذلك لأن النمو حركة موزعة على كل ثانية في الزمن، لا أن النمو يجتمع ثم يظهر فجأة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير