ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

قوله تعالى: قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم الآية لما بين أن الكفار في الآخرة لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلاكة، فقال لرسوله: طقُلْ «لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟
والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار مِنَ الرحمن إن نزل بكم عذابه. يقال: كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلاَءَةٌ بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالئ ومكلوء.
قال ابن هرمة:

٣٧١٧ - إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا
واكْتَلأْتُ منه: احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن. وفي الحديث:» نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بَالكَالِئ «أي: بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين بكلأ الآخر أي: يراقبه.

صفحة رقم 505

(وقال ابن عباس: المعنى: مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن.
وقرأ الزهري وابن القعقاع» يَكْلُوكُمْ «بضمة خفية دون همز.
وحكى الكسائي والفراء»
يَكْلَوْكُمْ «بفتح اللام وسكون الواو.
قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف).
قوله:»
مِنَ الرَّحمنِ «متعلق ب» يَكْلَؤُكُمْ «على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله [الرعد: ١١].» وبِالَّيْلِ «بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من بحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم.
وخص ها هنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت لكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم [الانفطار: ٦]. فخص اسم الكريم تلقيناً. قوله:»
بَلْ هُمْ «إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالئ ولا مانع غير الرحمن. والمراد ب» ذِكْرِ رَبِّهِمْ «القرآن ومواعظ الله» مُعْرِضُونَ «لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم.
قوله: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ »
أَمْ «منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها.
وقوله:»
من دُونِنَا «فيه وجهان:

صفحة رقم 506

أحدهما: أنه متعلق ب» تَمْنَعُهُمْ «قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل «آلهة»
، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً.
ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة ل «آلهة»، وفيه بعد من حيث المعنى.
قال ابن الخطيب: «لا يسطيعون» خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حمية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها.
قوله: وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ. قال ابن عباس: يجاورون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: يُنْصَرُونَ. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء الكفار «وَآبَاءَهُمْ» في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة. حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر أي امتد بهم الزمان فاغتروا. أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. أَفَهُمُ الغالبون أم نحن وهو استفهام تقريع.
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: «نَنْقُصُهَا» بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت أهلها.

صفحة رقم 507

وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: أَفَهُمُ الغالبون. قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء.

صفحة رقم 508

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية