ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ( ٩٢ ) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون ( ٩٣ ) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ( ٩٤ ) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ( ٩٥ ) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ( ٩٦ ) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين [ الأنبياء : ٩٢- ٩٧ ]. أ
المعنى الجملي : بعد أن ذكر قصص جمع من الأنبياء كنوح وإبراهيم و إدريس وموسى وعيسى وبين ما أوتوا من الشرائع والأحكام على وجه الإجمال، قفى على ذلك بيان أن لب الدين عند الله واحد، وأن جميع الأنبياء قد اتفقوا عليه، ولم يختلفوا فيه في عصر من الأعصار، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، و أنه هو القاهر فوق عباده المالك لجميع السماوات والأرض، ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم [ البقرة : ٢٥٥ ]، وإن اختلفوا في الرسوم والأشكال بحسب اختلاف الأزمان والأمكنة، فعليكم أيها المسلمون أن تحافظوا على وحدة دينكم، وألا تجعلوه عضين، وكأنه يقول لهم : عليكم ألا تركنوا إلى خوارق العادات كما رأيتم في قصص موسى، ولا تدعوا نظم الدولة بل سوسوها كما كان يفعل داود وسليمان، ولا تذروا الصبر في جميع الأعمال كما رأيتم في قصص أيوب ومن بعده.
ثم نعى على المسلمين ما سيحدث منهم في مستأنف الزمان حين يتفرقون شيعا، يذوق بعضهم بأس بعض، ويجعلون الدين قطعا فيما بينهم كما تتوزع الجماعة الشيء يقتسمونه، فيصير لهذا نصيب ولذاك آخر.
وهذا إخبار بالغيب، لما سيحصل في هذه الأمة الإسلامية، وقد حدث فعلا وافترقت الأمة سياسيا واجتماعيا بوساطة بعض رؤساء الدين، فأعرض الله عن هؤلاء المختلفين وقطعهم بين الأمم، كما قطعوا أمرهم بينهم واقتسموا.
ثم بين سبحانه أنه يثيب عباده على صالح الأعمال إذا كانت القلوب عامرة بالإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن كل عمل جل أو قل فهو مكتوب محفوظ لديه، لا يغيب عنه مثقال ذرة، وأن جميع الخلق راجعون إليه، فيثيب كل إنسان بما عمل من خير أو شر، وأن الساعة قد اقترب ميقاتها، ثم أخبر أن المشركين يدعون إذ ذاك على أنفسهم بالويل والثبور، ويقولون يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله، وكنا ظالمين لأنفسنا، ولا ينفع الندم إذ ذاك.
ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم
تفسير المفردات :
و تقطعوا أمرهم بينهم : أي جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا.
الإيضاح :
ثم نعى على المسلمين ما فعلوا من تفريق شأنهم فرقا وشيعا فقال :
و تقطعوا أمرهم بينهم أي وإنهم قد فرقوا أمرهم بينهم فرقا شتى كل فرقة تنعي على من سواها، وتشيد بمفاخرها، وقد كان لهم في عبر الماضين ما يمنعهم أن يقترفوا مثل هذا الجرم وكبير ذلك الإثم.
قال الحسن البصري في هذه الآية : يبين لهم ما يتقون وما يأتون، يريد أن هذا إخبار بالغيب بما سيكون منهم.
والخلاصة : إنهم قد غفلوا عما أمر به دينهم من وجوه الاعتصام بوحدة الأمة ونبذ الفرقة، ففعلوا ضد هذا، وذاق بعضهم بأس بعض، وكان في هذا وبال للجميع، وتمكن عدوهم من أن يهيض جناحهم، ويبطش بهم ويستعبدهم في عقر دارهم، ويسيمهم الخسف والصغار، بعد أن كانوا سادة أحرارا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ثم توعدهم على ما فعلوا فقال :
كل إلينا راجعون أي إنهم سيرجعون إلينا ونجازيهم على تفرقهم واختلافهم شيعا.
وفي هذا إخبار بالغيب بما سيحدث في هذه الأمة التي ذاقت وبال أمرها، وعاقبة اختلافها، وكانت لقمة سائغة للآكلين، ونهبا مقسما بين الطامعين، جزاء ما اجترحت من التفرق شذر مذر ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : ٤٩ ].

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير