قوله تعالى١ :
وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ قرأ الأخوان٢ وأبو بكر ورويت عن أبي عمرو «وَحِزْمُ » بكسر الحاء وسكون الراء٣ وهما لغتان كالحِلّ والحَلاَل٤.
وقرأ ابن عباس وعكرمة «وحَرِمَ » بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم٥ على أنه فعل ماض وروي عنهما أيضاً وعن أبي العالية٦ بفتح الحاء والميم وضم الراء٧ بزنة كَرُم، وهو فعل ماض أيضاً. ( وروي عن ابن عباس أيضاً فتح الجميع٨ وهو فعل ماض أيضاً )٩. وعن١٠ اليماني بضم الحاء وكسر الراء ( مشددة وفتح الميم١١ ماضياً مبنياً للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء وكسر الراء ) ١٢ وتنوين الميم١٣.
فمن جعله اسماً١٤ ففي رفعه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : قوله : لا يَرْجِعُونَ وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات :
التأويل الأول : أن «لا » زائدة١٥، والمعنى : وممتنع على قرية قدرنا إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة. وممن ذهب إلى زيادتها أبو عمرو مستشهداً عليه بقوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ١٦ يعني أحد القولين١٧.
التأويل الثاني : أنها غير زائدة، وأن المعنى : أنهم غير راجعين عن معصيتهم وكفرهم١٨.
التأويل الثالث : أنَّ الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ ١٩ وترك الشرك واجب ويدل عليه قول الخنساء٢٠ :
| ٣٧٤٣- وَإِنَّ حَرَاماً لا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيَاً | عَلَى شَجْوَةِ إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْر٢١ |
التأويل الرابع : قال مسلم بن بحر : حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون عدم رجوعهم واجباً، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى : إن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى- مجازيه يوم القيامة٢٥.
وقول٢٦ ابن عطية قريب من هذا فإنه قال : وَمُمْتَنِعٌ على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون ( بل هم راجعون )٢٧ إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون «لاَ » على بابها والحرام على بابه٢٨.
الوجه الثاني : أن الخبر محذوف، تقديره : وحرام توبتهم أو رجاء بعثهم، ويكون أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون حينئذ في «لاَ » احتمالان :
الاحتمال الأول : أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد تقديره الخبر المتقدم : إذ جعلت ( لا ) زائدة٢٩.
قلت : والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الآخرة وجزائها.
الاحتمال الثاني : أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك.
الوجه الثالث : أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظاً ولا تقديراً، وإنما وقع شيئاً يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء : والجيد أن يكون ( أنهم )٣٠ فاعلاً سد مسد الخبر٣١. وفي هذا نظر، لأنَّ ذلك يشترك فيه أن يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر٣٢، وحينئذ يكون في ( لا ) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي : امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة.
الوجه الثاني : من وجهي رفع «حَرَامٌ » : أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم : الإقالة والتوبة حرام٣٣، وقدره أبو البقاء : أي : ذلك الذي ذكر من العمل الصالح حرام٣٤ وقال الزمخشري : وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل : إنَّهم لا يرجعون عن الكفر، فيكف لا يمتنع ذلك٣٥. وقرأ العامة «أَهْلَكْنَاهَا » بنون العظمة.
وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة «أَهْلَكْتُهَا » بتاء المتكلم٣٦. ومن قرأ «حَرِمٌ » بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فَعِل نحو حَذِر٣٧، وقال :
| ٣٧٣٥- وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مِسْأَلَةٍ | يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي ولاَ حَرِمُ٣٨ |
وقرئ «إِنَّهُمْ » بالكسر على الاستئناف٤٢، وحينئذ٤٣ فلا بُدَّ من تقدير مبتدأ يتم به الكلام تقديره : ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك٤٤.
٢ حمزة والكسائي..
٣ السبعة (٤٣١)، الكشف ٢/١١٤، ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١٢)..
٤ انظر الكشف ٢/١١٤، التبيان ٢/٩٢٧..
٥ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٦ تقدم..
٧ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٨ البحر المحيط ٦/٣٣٨، ونسب ابن جني هذه القراءة إلى قتادة ومطر الوراق المحتسب ٢/٦٥..
٩ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٠ عن: سقط من ب..
١١ المختصر (٩٣) البحر المحيط ٦/٣٣٨..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٢٣٨..
١٤ وهي قراءة: "حرام" بالألف، و"حرم" بدون ألف وبكسر الحاء وسكون الراء و"حرم" بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم..
١٥ "لا" الزائدة: هي الداخلة في الكلام لمجرد تقويته وتوكيده. نحو قوله: ما منعك ألا تسجد [الأعراف: ١٢].
وانظر البيان ٢/١٦٥، والتبيان ٢/٩٢٦-٩٢٧، والمغني ١/٢٤٨..
١٦ [الأعراف: ١٢]. والدليل على زيادتها قوله تعالى في موضع آخر ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: ٧٥].
انظر البيان ١/٣٥٥..
١٧ القول الثاني: أنها غير زائدة. انظر البحر المحيط ٤/٢٧٣..
١٨ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
١٩ [الأنعام: ١٥١]..
٢٠ هي تماضر بنت عمرو بن الشريد، وهي صحابية – رضي الله عنها – قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع قومها من بني سليم وأسلمت معهم، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعجبه شعرها، ويستنشدها. الخزانة ١/٤٣٣-٤٣٨..
٢١ البيت من بحر الطويل قالته الخنساء وليس في ديوانها، وهو في الفخر الرازي ٢٢/٢٢١، القرطبي ١١/٣٤٠، واللسان (حرم) وهو فيه منسوب إلى عبد الرحمن بن خمانة المحاربي، جاهلي. والبحر المحيط ٦/٣٣٩..
٢٢ [الشورى: ٤٠]. .
٢٣ في ب: قال..
٢٤ انظر هذا التأويل في الفخر الرازي ٢٢/٢٢١، البحر المحيط ٦/٣٣٨-٣٣٩..
٢٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٢٦ في ب: وقرأ. وهو تحريف..
٢٧ ما بين القوسين تكملة من تفسير ابن عطية..
٢٨ تفسير ابن عطية ١٠/٢٠٤..
٢٩ التبيان ٢/٩٢٧..
٣٠ في ب: أنه. وهو تحريف..
٣١ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
٣٢ وذلك أن كل وصف اعتمد على نفي أو استفهام، وكان مرفوعه اسما ظاهرا أو ضميرا منفصلا، وتم الكلام بمرفوعه، استغني بمرفوعه عن الخبر نحو: أقائم الزيدان، وما مضروب الزيدان، وأقائم أنتما. والأخفش والكوفيون لا يشترطون اعتماد الوصف على نفي أو استفهام فأجازوا: قائم الزيدان، محتجين بقول الشاعر:
| خبير بنو لهب فلا تك ملغيا | مقالة لهبيٍّ إذا الطير مرّت |
| وأول مــبتدأ، والـثـانـــــــي | فـاعل أغنـى في "أسـارذان" |
| وقس، وكاستفهام النفي وقد | يجوز نحو "فائز أولو الرّشد" |
٣٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٣٤ التبيان ٢/٩٢٧..
٣٥ الكشاف ٣/٢٠..
٣٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٣٧ أي: أن الوصف من (فعل)، اللازم على (فاعل) قليل نحو سلم فهو سالم، وإنما قياس الوصف منه (فعل) بفتح الفاء وكسر العين في الأعراض كفرح، وكما هنا. و(أفعل) في الألوان والخلق كأخضر، وأعور، و(فعلان) فيما دل على امتلاء وحرارة البطن كشبعان وريان، وعطشان وصديان. انظر شرح التصريح ٢/٧٨..
٣٨ البيت من بحر البسيط، قاله زهير ابن أبي سلمى. وقد تقدم..
٣٩ وهي (حرم) بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم، و(حرم) بفتح الحاء والميم وضم الراء و (حرم) بفتح الجميع وحرم بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم..
٤٠ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
٤١ تقدم قريبا..
٤٢ انظر التبيان ٢/٩٢٧، البحر المحيط ٦/٣٣..
٤٣ في ب: وح..
٤٤ تقدم قريبا..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود