ثم يبين الحق سبحانه مهمة هذه المقامع، فيقول :
كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ( ٢٢ ) :
الحق- سبحانه وتعالى- يصور حال أهل النار وما هم فيه من العذاب ومن اليأس في أن يخفف عنهم، فإذا ما حاولوا الخروج من غم العذاب جاءتهم هذه السياط فأعادتهم حيث كانوا، والإنسان قد يتعود على نوع من العذاب فيهون عليه الأمر، كالمسجون مثلا الذي يضرب بالسياط على ظهره، فبعد عدة ضربات يفقد الإحساس ولا يؤثر فيه ضرب بعد ذلك.
وقد أجاد المتنبي(١) في وصف هذا المعنى حين قال :
رماني الدهر بالأرزاء حتى*** كأني في غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهام**** تكسرت النصال على النصال
لكن أنى يخفف عن أهل النار، والحق سبحانه وتعالى يقول : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. ( ٥٦ ) [ النساء ].
ففي إعادتهم تيئيس لهم بعد أن طمعوا في النجاة، وما أشد اليأس بعد الطمع على النفس، لذلك يقولون : لا أفجع من يأس مقمع، بعد أمل مقمع. كما يقول تعالى : وإن يستغيثوا يغاثوا.. ( ٢٩ ) [ الكهف ] : ساعة يسمعون الإغاثة يأملون ويستبشرون، فيأتيهم اليأس في بماء كالمهل يشوي الوجوه.. ( ٢٩ ) [ الكهف ].
وقوله تعالى : وذوقوا عذاب الحريق ( ٢٢ ) [ الحج ] : الحريق : الشيء الذي يحرق غيره لشدته.
وبعد أن تحدثت الآيات عن الكافرين، وما حاق بهم من العذاب كان لا بد أن تتحدث عن المقابل، عن المؤمنين ليجري العقل مقارنة بين هذا وذاك، فيزداد المؤمن تشبثا بالإيمان ونفرة من الكفر، وكذلك الكافر ينتبه لعاقبة كفره فيزهد فيه ويرجع إلى الإيمان، وهكذا ينتفع الجميع بهذه المقابلة، وكأن الحق سبحانه وتعالى يعطينا في آيات القرآن وفي هذه المقابلات وسائل النجاة والرحمة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي