ثم قال : أولئك هُمُ الوارثون «أُولَئِكَ » أي : أهل هذه الصفة «هُمُ الوارِثُونَ » فإن قيل١ : كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟ مع أنه سبحانه حكم بأنَّ الجنة حقهم في قوله : إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ٢ [ التوبة : ١١١ ]. فالجواب من وجوه :
الأول : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما منكم من أحد إلاَّ وله منزلان منزل في الجنّة ومنزلٌ في النار، فإنْ مات ودخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة مَنْزله، وذلك قوله : أولئك هُمُ الوارثون ٣. وأيضاً : فقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما٤ ذكر فإن قيل : إنه تعالى وصف كل الذي٥ يستحقونه إرثاً، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم٦ لو أطاع.
فالجواب : لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو ( منزلة )٧ لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل بذلك إليه.
الثاني : أنَّ انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث.
الثالث : أنَّ الجنة كانت مسكن أبينا آدم - عليه السلام - فإذا انتقلت إلى أولاده كان ذلك شبيهاً بالميراث. فإن قيل : كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج ؟
فالجواب : أنَّ قوله : لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات٨ دخلت في جملة المحافظة على الصلوات٩ لكونها من شرائطها١٠. واعلم أنَّ قوله :«هُمُ الوَارِثُونَ » يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به، لأنه ثبت أنَّ الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ١١ [ النساء : ٤٨ ]. وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف١٢.
٢ [التوبة: ١١١]..
٣ أخرجه ابن ماجه (زهد) ٢/١٤٥٣، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/٦..
٤ في ب: مما..
٥ في الأصل: الذين..
٦ في الأصل: غيره. وهو تحريف..
٧ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٨ في ب: فالطهارات..
٩ في الأصل: الصلاة..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/٨٢ – ٨٣..
١١ من قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما [النساء: ٤٨]. انظر الفخر الرازي ٢٣/٨٣..
١٢ عند قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا [الكهف: ١٠٧] وذكر ابن عادل هناك: والفردوس الجنة من الكرم خاصة. وقيل: ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس، والجمع فراديس، قال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه أن يكون من العنب، وحكى الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل: هو عربي، وقيل: أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل: فارسي، وقيل: سرياني. انظر اللباب ٥/٣٩٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود