أولئك هم الوارثون(١) ( ١٠ ) :
أولئك ( ١٠ ) [ المؤمنون ] : يعني : أصحاب الصفات المتقدمة، وهم ستة أصناف : الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون.
هؤلاء هم الوارثون، والإرث : أخذ حق من غير عقد أو هبة، لأن أخذ مال الغير لا بد أن يكون إما ببيع وعقد، وإما هبة من صاحب المال. لذلك سألوا الوارث : أهذا حقك ؟ قال : نعم، قالوا : فما صكك عليه ؟ يعني : أين العقد الذي أخذته به ؟ قال : عقدي وصكي : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( ١١ ) [ النساء ] : فهو عقد أوثق وأعلى من تعاقد البشر.
وما دام عقدي من الحق- تبارك وتعالى- فلا تقل : إن الميراث مأخوذ بغير عقد، لأنه قائم على أوثق العقود، وهو العقد من الله.
وكثيرا ما يخرج الناس في مسألة الميراث عما شرع الله حبا في المال واستئثارا به، أو بخلا على من جعل له الشرع نصيبا، فمن كان عنده البنون والبنات يعطي البنين ويحرم البنات، ومن كان عنده بنات يكتب لهن ما يملك حتى يحرم إخوته وأعمامهم من حقهم في ماله، وهذا كثيرا ما يحدث في المجتمع.
ويجب عليك أن تتنبه لمسألة الميراث وتحترم شرع الله فيه وتقسيم الله للمال، فقد وهبك الله المال وتركك تتصرف فيه طوال حياتك، وليس لك أن تتصرف فيه أيضا بعد موتك، عليك أن تدع المال لصاحبه وواهبه يتصرف فيه، لذلك قال الله تعالى عن الإرث : فريضة من الله ( ١١ ) [ النساء ] : يعني : ليست من أحد آخر، وما دامت فريضة من الله فعليك أن تمتثل لها وتنفذها، وحين تتأبى عليها فإنك تتأبى على الله وترفض قسمته.
والمتأمل في مسألة الإرث يجد الخير كل الخير فيما شرعه الله، ومن كان يحب البنين فليعط البنات حتى لا يفسد علاقة أولاده من بعده، ويأتي إلينا بعض الرجال الذين أخذوا كل مال أبيهم وحرموا منه البنات، يقولون : نريد أن نصحح هذا الخطأ ونعيد القسمة على ما شرع الله.
ونجد عند بعض الناس إشراقات إيمانية، فإن رفض بعض الإخوة إعادة التقسيم على شرع الله يقول : أنا أتحمل ميراث أخواتي من مالي الخاص، ومثل هؤلاء يفتح الله عليهم ويبارك لهم فيما بقي، لأنهم جعلوا اعتمادهم على الله فيزيدهم من فضله ويربي لهم القليل حتى يصير كثيرا، أما من اعتمد على ما في يده فإن الله يكله إليه.
ونعجب من الذي يجعل ماله للبنات ليحرم منه إخوته، نقول له : أنت لست عادلا في هذا التصرف، يجب أن تعاملهم بالمثل، فلو تركت بناتك فقراء لا مال لهن، فمن يعولهن ويرعاهن من بعدك ؟ يعولهن الأعمام. إذن : لتكن معاملة بالمثل.
والحق- تبارك وتعالى- حين يورث هذه الأصناف يورثهم بفضله وكرمه، وقد بين النبي ( ص ) ذلك بقوله : " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " (٢).
أما قوله تعالى : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ( ٣٢ ) [ النحل ] : فهذا خاص بمجرد دخول الجنة، أما الزيادة فهي من فضل الله ويزيدهم من فضله ( ١٧٣ ) [ النساء ].
ومن أسمائه تعالى ( الوارث ) وقال : وأنت خير الوارثين ( ٨٩ ) [ الأنبياء ] : فماذا يرث الحق سبحانه وتعالى منا ؟.
لقد خلق الله الخلق، وأعطى للناس أسباب ملكيته، ووزع هذه الملكية بين عباده : هذا يملك كذا، وهذا يملك كذا من فضل الله تعالى. فإذا كان يوم القيامة عاد الملك كله إلى صاحبه، وكان الحق سبحانه وتعالى هو الوارث الوحيد يوم يقول : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( ١٦ ) [ غافر ].
والله خير الوارثين، لأن الوارث يأخذ ما ورثه لينتفع هو به، لكن الحق سبحانه يرث ما تركه للغير ليعود خيره عليهم ويزيدهم، ويعطيهم أضعافا مضاعفة، وإذا كان يعطيهم في الدنيا بأسباب فإنه في الآخرة يرث هذه الأسباب، ويعطيهم من فضله بلا أسباب، حيث تعيش في الجنة مستريحا لا تعب ولا نصب ولا سعي، وما يخطر ببالك تجده بين يديك دون أن تحرك ساكنا.
إذن : البشر يرثون ليأخذوا، أما الحق سبحانه فيرث ليعطي، لذلك فهو خير الوارثين.
٢ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٦٣)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي