ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

ينتقل في هذا الدرس من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، إلى حقيقة الإيمان التي جاء بها الرسل جميعا ؛ ويبين كيف كان استقبال الناس لهذه الحقيقة الواحدة التي لا تتبدل على مدار الزمان، وتعدد الرسالات، وتتابع الرسل، من لدن نوح - عليه السلام - فإذا نحن نشهد موكب الرسل، أو أمة الرسل، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة، ذات المدلول الواحد، والاتجاه الواحد، حتى ليوحد ترجمتها في العربية - وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم - فإذا الكلمة التي قالها نوح - عليه السلام - هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين، فتجيب البشرية جوابا واحدا، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون !
وعندما يصل إلى هذه الحلقة من سلسلة الرسالات، يتوجه بالخطاب إلى أمة الرسل ؛ وكأنما هم متجمعون في صعيد واحد، في وقت واحد، فهذه الفوارق الزمانية والمكانية لا اعتبار لها أمام وحدة الحقيقة التي تربط بينهم جميعا :
( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا. إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون )..
إنه نداء للرسل ليمارسوا طبيعتهم البشرية التي ينكرها عليهم الغافلون :( كلوا من الطيبات ).. فالأكل من مقتضيات البشرية عامة، أما الأكل من الطيبات خاصة فهو الذي يرفع هذه البشرية ويزكيها ويصلها بالملأ الأعلى.
ونداء لهم ليصلحوا في هذه الأرض :( واعملوا صالحا ).. فالعمل هو من مقتضيات البشرية كذلك. أما العمل الصالح فهو الذي يميز الصالحين المختارين ؛ فيجعل لعملهم ضابطا وهدفا، وغاية موصولة بالملأ الأعلى.
وليس المطلوب من الرسول أن يتجرد من بشريته. إنما المطلوب أن يرتقي بهذه البشرية فيه إلى أفقها الكريم الوضيء. الذي أراده الله لها، وجعل الأنبياء روادا لهذا الأفق ومثلا أعلى. والله هو الذي يقدر عملهم بعد ذلك بميزانه الدقيق :( إني بما تعملون عليم ).

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير