واهتم كتاب الله في نفس الموضوع بإبطال حجة واهية طالما تذرع بها أعداء الرسالة الإلهية، وهي طعنهم كلما جاءهم رسول من عند الله بأنه من جنس البشر، وليس من جنس الملائكة، ناسين أو متناسين أن الإنسان هو وحده الذي تحمل الأمانة عندما عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها من بين كافة المخلوقات، وأن الرسالة الإلهية التي هي أجل الأمانات لا يمكن أن يبلغها إلى الناس إلا واحد منهم، وأن الله تعالى عندما يبعث إلى الناس بشرا رسولا إنما يسدي إليهم أكبر النعم، ويمن عليهم بأعظم المنن، حيث يرسل إليهم من أنفسهم من يكلمهم بلسانهم، ويتعرف على أحوالهم، ويصف العلاج الناجع لأدوائهم، ويمارس معهم شعائر الدين الذي جاء به من عند الله كواحد منهم وإمام لهم، ولو كان سكان الأرض من الملائكة لبعث الله إليهم رسولا منهم ليسهل الوفاق والوئام، ويتحقق التجانس التام، على حد قوله تعالى في سورة الإسراء : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا [ الآية : ٩٥ ]، وقوله تعالى في سورة الأنعام : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [ الآية : ٩ ]. فكون الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشر يجمعون بين البشرية والرسالة معجزة من أعظم معجزاتهم، ودليل كم أكبر الدلائل على صدقهم، ولذلك وجه إليهم الحق سبحانه وتعالى أمره بممارسة حياتهم البشرية العادية، إلى جانب قيامهم بتبليغ الرسالة الإلهية، إذ لا تعارض بينهما ولا تناقض، فقال تعالى في هذا الربع إشارة إلى الشق الأول والشق الثاني يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري