ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

وبعد ذلك يتكلم الحق- سبحانه وتعالى- عن قضية عامة بعد أن تكلم عن القرار ومقومات الحياة، وهي الطعام والشراب والهواء، فناسب ذلك أن يتكلم سبحانه عن المطعم :
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ( ٥١ ) :
لكن، كيف يخاطب الحق- تبارك وتعالى- الرسل جميعا في وقت واحد ؟ نقول : لأن القرآن الكريم هو كلام الله القديم، لم يأت خاصا بمحمد ( ص )، وإن نزل عليه فهو إذن خطاب لكل رسول جاء.
وبعد أن أمرهم الحق سبحانه بالأكل من الطيب أمرهم بالعمل الصالح : واعلموا صالحا.. ( ٥١ ) [ المؤمنون ]، ثم يقول سبحانه : إني بما تعملون عليم ( ٥١ ) [ المؤمنون ] : كأن الحق سبحانه يقول : اسمعوا كلامي في ما آمركم به، فأنا عليم وخبير بكل ما يصلحكم، لأنني الخالق الذي أعلم كيف تستقيم بنيتكم للحركة الصالحة للخير، ولا تستقيم بنيتكم للحركة الصالحة للخير إلا إذا أخذتم المطعم من الحلال الطيب.
وكما قلنا : إن صانع الآلة يضع لها الوقود المناسب لتشغيلها، وإلا تعطلت عن أداء مهمتها.
فلكي تؤدي الصالح في حركة حياتك عليك أن تبدأ بالمطعم الطيب الذي يبني ذراتك من الحلال، فيحدث انسجاما بين هذه الذرات، وتعمل معا متعاونة غير متعاندة، وإن انسجمت ذراتك وتوافقت أعانتك على الصالح.
فإن دخل الحرام إلى طعامك وتلوثت به ذراتك تنافرت وتعاندت، كما لو وضعت للآلة وقودا غير ما جعل لها، فافهموا هذه القضية، لأنني أنا الخالق فآمنوا لي كما تؤمنون بقدرة الصانع حين يصنع لكم صناعة، ويضع لكم قانون صيانتها.
إذن : أمر الحق سبحانه أولا رسله بالأكل من الطيبات، لأن العمل الصالح يحتاج إلى جهاز سليم متوافق من داخله، لذلك في سيرة النبي ( ص ) أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس، أرسلت إلى النبي في يوم صامه وهو حار شيئا من اللبن يفطر عليه، وهو ( ص ) يعلم أنها فقيرة لا تملك شيئا فأرسل إليها : من أين لك هذا اللبن ؟ فأرسلت إليه : من شاة عندي، فبعث إليها : ومن أين لك الشاة ؟ قالت : اشتريتها بمال دبرته. فشرب رسول الله من اللبن١.
وإن كنا نحن لا نتحرى في مطعمنا كل هذا التحري، لكن هذا رسول الله الذي ينفذ منهج الله كما جاءه، وعلى أكمل وجه. وفي الحديث الشريف : " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ( ٥١ ) [ المؤمنون ]. وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ( ١٧٢ ) [ البقرة ]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له ؟ " ٢.
نعم، كيف يستجاب له وهو يدعو الله بجهاز إرسال فاسد مشوش دنسه وخالطه الحرام ؟
وفي حديث سيدنا سعد رضي الله عنه لما قال لرسول الله : يا رسول الله ادع الله لي أن أكون مستجاب الدعوة، فقال ( ص ) : " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " ٣.
ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله تعالى : إني بما تعملون عليم ( ٥١ ) [ المؤمنون ] : يعني : أعلم ما يصلحكم، وما يجلب لكم الخير.

١ - عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله (ص) بقدح لبن عند فطره وهو صائم وذلك في طول النهار وشدة الحر فرد إليها رسولها: أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي. قال: فرد إليها رسولها: أنى كانت لك هذه الشاة؟ قالت: اشتريتها من مالي فأخذه منها، فلما كان من الغد أتته فقالت أم عبد الله: يا رسول الله بعثت لك باللبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر فرددت الرسول فيه فقال لها: بذلك أمرت الرسل ألا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا. أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٢٩١) وقال: "رواه الطبراني وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف"..
٢ - أخرجه مسلم في صحيحه (١٠١٥)، وأحمد في مسنده (٢/٣٢٨)، والترمذي في سننه (٢٩٨٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ - عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند رسول الله (ص): يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا.. (١٦٨) [البقرة] فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال رسول الله (ص): يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد يقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه العمل أربعين يوما وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به. أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٢٩١) وقال: "رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفهم"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير