ثم يقول الحق سبحانه :
أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ( ٧٢ ) :
( الخرج ) : ما يخرج منك طواعية، أما الخراج فهو ما يخرج منك رغما عنك، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فالخراج أبلغ من الخرج. والمراد بقوله تعالى : أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير.. ( ٧٢ ) [ المؤمنون ] : إن كنت تريد خرجا فلا تأخذه من أيديهم، إنما خذه من ربك، فما عندهم ليس خرجا بل خراج فخراج ربك خير.. ( ٧٢ ) [ المؤمنون ].
فلا تأخذ الرزق إلا من يد الخير والبركة، لأن الحق سبحانه لا يمن على خلقه برزق يرزقهم به، فهو سبحانه قد استدعاهم إلى الحياة، لذلك تكفل سبحانه بأرزاقهم، كما لو دعوت صديقا إلى طعام فإنك تعد له ما يكفي عشرة، فما بالك حينما يعد لك ربك عز وجل ؟.
ثم يذيل الحق سبحانه الآية بقوله تعالى وهو خير الرازقين ( ٧٢ ) [ المؤمنون ] : وهذه أحدثت إشكالا عند البعض، لأن الحق سبحانه جعل لخلقه شراكة في صفة الرزق، فغيره سبحانه يرزق أيضا، لكن هو خير الرازقين، لأنه يرزق الخلق بأصول الأشياء التي يرزقون منها غيرهم، فإن كنت ترزق غيرك مثلا طعاما فهو سبحانه أصل هذا الطعام ومصدره.
هو سبحانه خالق التربة، وخالق الماء، وخالق الهواء، وخالق البذرة، وما عليك إلا أن أعملت عقلك، واستخدمت الطاقات التي منحك الله إياها، فأخرجت هذا الطعام، فلو أنك جئت لأهلك بحاجيات المطبخ ولوازم المعيشة طوال الشهر من دقيق وسمن وأرز وسكر.. إلخ وقامت زوجتك بإعداد الطعام أتقول : إن الزوجة هي التي جاءت بالطعام ؟.
لذلك يقول العلماء وأهل المعرفة : نزهوا ألسنتكم عن قول : فلان رازق، ودعوها لقول الله تعالى، لأنه سبحانه هو خالق الرزق، وواجد أصوله، وما أنت إلا مناول للغير.
وتلحظ أنه تعالى أضاف الخراج إلى الربوبية التي تفيد الرعاية والعناية والتربية، فما دام الخراج خراج ربك يا محمد، فهو خراج كثير وعطاء لا ينفد.
تفسير الشعراوي
الشعراوي