قصة الآيات :
بعد أن ذكر – سبحانه – حكم من قذف الأجنبيات، وحكم من قذف الزوجات، ذكر في الآيات العشر براءة عائشة أم المؤمنين مما رماها به أهل الإفك والبهتان من المنافقين، صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومجمل القصص ما رواه البخاري وغيره، عن عروة بن الزبير، عن خالته أم المؤمنين عائشة قالت :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ( نصيبي ) ؛ فخرجت معه بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوا على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي، فلم يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي وظننت أنهم سيفقدونني ويعودون في طلبي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فلما رآني عرفني فاستيقظت باسترجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلتة فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا في حر الظهيرة، وافتقدني الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فخاضوا في حديثي فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل فيسلم، يقول :( كيف تيكم ) ؟ فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها بيوتا عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح ( هي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ) قبل بيتى حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت : تعس مسطح، فقلت : أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ فقالت : أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فلما رجعت إلى منزلي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال :( كيف تيكم ) ؟ قلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قال :( نعم ). قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قبلهما، فجئت أبوي، فقلت لأمي : أي أماه، ماذا يتحدث الناس به، فقالت : أي بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قلت : سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت : نعم، قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدخل علي أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي : ما يبكيها ؟ قالت : لم تكن علمت ما قيل لها. فأكب يبكي، فبكى ساعة ثم قال : اسكتي يا بنية. فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت : فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود، فقال : يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية ( يعني بريرة ) تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال :( هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ) ؟ قالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت أمرا أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي. فقال وهو على المنبر :( يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ). فقام سعد بن معاذ الأنصاري – رضي الله عنه – فقال : أنا أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة – وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية – فقال : أي سعد بن معاذ، لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من أهلك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال لسعد بن عبادة : كذبت، لعمر الله لنقتله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا في بيت أبوي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت على امرأة من الأنصار، فأذنت لها ؛ فجلست تبكي معي، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس، ثم قال : أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه دمعة، قلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال. قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله قد عرفت أن قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم حتى كدتم أن تصدقوا به، فإن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ( يوسف : ١٨ ). ثم وليت فاضطجعت على فراشي وأنا – والله – أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرئني ببراءتي، ولكن – والله – ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا يبرئني الله بها، قالت : والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه ولا خرج من البيت حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال :( أبشري يا عائشة، إن الله قد برأك )، فقالت لي أمي : قومي إليه. فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ... عشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي ؛ قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة. – إلى قوله تعالى – غفور رحيم. فقال أبو بكر : إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال : لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري وما سمعت، فقالت : يا رسول الله، أحمى سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا.
قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك٧٦.
وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول : حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من السماء.
١٣ - لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
أي : هلا جاء الخائضون في الإفك بأربعة شهداء، يشهدون على ثبوت ما قالوا وما رموها به، فإذا لم يأتوا بهم فأولئك الكاذبون عند الله، أي : في قانون الله، أو بحسب قانونه.
وإلا فمن الظاهر أن الاتهام في نفسه كان إفكا وكذبا، فما كان لأحد له حظ من العقل أن يقول في مثل هذه الحال : إن عائشة تخلفت عن الرحيل بحيلة مدبرة، لأن الذين يدبرون الحيل، لا يدبرونها بأن تتخلف زوج رئيس القوم خفية مع رجل منهم، ثم تأتي راكبة جهرة على بعير هذا الرجل نفسه في وقت الظهيرة والجيش كله يشهد ذلك، ورئيس القوم بين أظهرهم، فهذه الصورة من الواقع، تدل بنفسها دلالة واضحة على براءة ساحتها، لأن الأساس الوحيد الذي كان من الممكن أن يتهما عليه في مثل هذه الحال، هو أن يكون القائلون قد رأوهما يرتكبان الفاحشة بأعينهم، وإلا فإن القرائن التي بنى عليها الظالمون اتهامهم، ما كان فيها أدنى مجال للريبة والشبهة.
تفسير القرآن الكريم
شحاته