قوله تعالى : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والأخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون
المسألة الحادية والتسعون : في من قذف إنسانا قد ثبت عليه الزنى، وحد فيه أو لم يحد.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن من سب مسلما بزنى أو نحوه من المعاصي التي كانت منه، فإن كان ذلك على سبيل الأذى فهو منكر، ويلزمه الأدب، لأنه فعل منكرا، والمنكر يجب تغييره.
وإن كان ذلك منه على سبيل الوعظ والتذكر الجميل سرا، فلا شيء عليه، بل هو في ذلك محسن.
قال ابن حزم : والذي نقول به – وبالله تعالى التوفيق – أن الله تعالى قال : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي تزني أمته " فليجلدها ولا يثرب١ " ٢
فصح أن التثريب على الزاني حرام، وأن إشاعة الفاحشة حرام، ولا يحل – بلا خلاف – أذى المسلم بغير ما أنزل الله تعالى أن يؤذى به.
فصح من هذا أن من سب مسلما بزنى كان منه، أو بسرقة كانت منه، أو معصية كانت منه، وكان ذلك على سبيل الأذى – لا على سبيل الوعظ والتذكير الجميل سرا – لزمه الأدب لأنه منكر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه " ٣
فهذا الحديث بيان ما قدمنا نصا ؛ لأن فيه أباح تغيير المنكرات باليد واللسان، فمن بكت آخر بما فعل على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو محسن، ومن ذكره على غير هذا الوجه فقد أتى منكرا، ففرض على الناس تغييره ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " ٤
فصح أن أعراض كل أحد حرام إلا حيث أباحه النص أو الإجماع، وسواء عرض العاصي وغيره. ٥ اه
٢ أخرجه البخاري في: البيوع، باب: بيع العبد الزاني (٢١٥٢)، ومسلم في: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٤٤٢٠)..
٣ أخرجه مسلم في: الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١٧٥)..
٤ أخرجه البخاري في: العلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رب مبلغ أوعى من سامع (٦٧، ومسلم في: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (٤٣٥٩) (٤٣٦٠) غير أنه ليس فيه (وأبشاركم)..
٥ المحلى (١٣/١٣٢-١٣٣)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري