ثم أوعد من كان يشيع حديث الأفك، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
يقول الحق جل جلاله : إن الذين يُحبون ؛ يريدون أن تشيعَ الفاحشةُ أي : تنتشر الخصلة المفرطة في القبح، وهو الرمي بالزنا، أو نفس الزنا، والمراد بشيوعها : شيوع خبرها، أي : يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لإشاعتها. وإنما لم يصرح به ؛ اكتفاء بذكر المحبة ؛ فإنها مستلزمة له لا محالة، وهم : عبد الله بن أبيّ وأصحابه ومن تبعهم. لهم عذابٌ أليم في الدنيا ؛ بالحدّ والفضيحة والتكذيب. ولقد ضرب صلى الله عليه وسلم الحدّ كل من رمى عائشة. وتقدم الخلاف في ابن أُبي، فقيل : حدَّه، وقيل : تركه ؛ استئلافاً له.
و لهم العذاب في الآخرة بالنار وغيرها، إن لم يتوبوا. والله يعلم جميع الأمور، التي من جملتها : المحبة المذكورة، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه تعالى، بل إنما يعلمون ما ظهر من الأقوال والأفعال المحسوسة، فابنوا أمركم على ما تعلمونه، وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه من الأحوال الظاهرة، والله يتولى السرائر، فيعاقب في الآخرة على ما تُكنه الصدور.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي