ثم يقول الحق سبحانه :
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب٣٩ :
الحق – تبارك وتعالى – يريد أن يلفت أنظار من شغلتهم الدنيا بحركتها ونشاطها عن المراد بالآخرة، فيصنعون صنائع معروف كثيرة، لكن لم يخلصوا فيها النية لله، والأصل في عمل الخير أن يكون من الله ولله، وسوف يواجه هؤلاء بهذه الحقيقة فيقال لأحدهم كما جاء في الحديث : " عملت ليقال وقد قيل " (١).
لقد مدحوك وأثنوا عليك، وأقاموا لك التماثيل وخلدوا ذكراك ؛ لذلك رسم لهم القرآن هذه الصورة : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا... ٣٩ ( النور ).
أعمالهم.... ٣٩ ( النور ) : أي : التي يظنونها خيرا، وينتظرون ثوابها، والسراب : ما يظهر في الصحراء وقت الظهيرة، كأنه ماء وليس كذلك. وهذه الظاهرة نتيجة انكسار الضوء، و " قيعة " : جمع قاع وهي الأرض المستوية مثل جار وجيرة.
وأسند الفعل يحسبه... ٣٩ ( النور ) : إلى الظمآن ؛ لأنه في حاجة للماء، وربما لو لم يكن ظمآنا لما التفت إلى هذه الظاهرة، فلظمئه يجرى خلف الماء، لكنه لا يجد شيئا، وليت الأمر ينتهي عند خيبة المسعى إنما ووجد الله عنده فوفاه حسابه... ٣٩ ( النور ) : فوجئ بإله لم يكن على باله حينما فعل الخير، إله لم يؤمن به، والآن فقط يتنبه، ويصحو من غفلته، ويفاجأ بضياع عمله.
إذن : تجتمع عليه مصيبتان : مصيبة الظمأ الذي لم يجد له ريا، ومصيبة العذاب الذي ينتظره، كما قال الشاعر (٢) :
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة **** فلما رأوها أقشعت وتجلت (٣)
وسبق أن ضربنا مثلا لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغا، فطلب الماء، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه واستشرف المسكين للأرتواء أراق الحارس الكوب، ويسمون ذلك : يأس بعد إطماع.
لذلك الحق- تبارك وتعالى – يعطينا في الكون أمثلة تزهد الناس في العمل للناس من أجل الناس، فالعمل للناس لا بد أن يكون من أجل الله. وفي الواقع تصادف من ينكر الجميل ويتنكر له بعد أن أحسنت إليه، وما ذلك إلا لأنك عملت من أجله، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من أجل الناس، ولو فعلت ما فعلت من أجل الله لوجدت الجزاء والثواب من الله قبل أن تنتهي من مباشرة هذا الفعل.
وفي موضع آخر يشبه الحق سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء، فلا ينبت شيئا : كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان(٤) عليه تراب فأصابه وابل(٥) فتركه صلدا (٦) لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ٢٦٤ ( البقرة ).
وقوله تعالى : والله سريع الحساب٣٩ ( النور ) : فإياك أن تستبعد الموت والبعث، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم الساعة زمن لا يحسب لأنه يمر عليك دون أن تشعر به، كما قال سبحانه :
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ٤٦ ( النازعات ).
والله تعالى أخفى الموت أسبابا وميعادا ؛ لأن الإبهام قد يكون غاية البيان، وبإبهام الموت تظل ذاكرا له عاملا للآخرة ؛ لأنك تتوقعه في أي لحظة، فهو دائم على بالك، ومن يدريك لعلك إن خفضت طرفك لا ترفعه، وعلى هذا فالحساب قريب وسريع ؛ لذلك قالوا : من مات فقد قامت قيامته(٧).
٢ هو: كثير بن عبد الرحمن أبو صخر الخزاعي، يقال له "كثير عزة" وهي عزة بنت جميل الضمرية، كان عفيفا في حبه لها، شاعر متيم مشهور، من أهل المدينة أكثر إقامته بمصر، كان مفرط القصر دميما في نفسه شمم وترفع. توفى عام(١٠٥هـ) الأعلام للزركلي(٥/٢١٩)..
٣ ديوان كثير (ص٢٠٧) وأورده شهاب الدين الحلبي (ت ٧٢٥هـ) في "حسن التوسل إلى صناعة الترسل" ص١٢١. وأقشعت الغمامة: انكشفت وذهبت..
٤ الصفوان: الحجر الأملس الذي لا يصلح للزراعة.(القاموس القويم١/٣٨٠)..
٥ الوابل: المطر الكثير القطر. والوبيل: الثقيل الغليظ جدا. (لسان العرب-مادة: وبل)..
٦ الصلد: الحجر الصلب الأملس فلا يصلح لإنبات نبات.(القاموس القويم١/٣٨١)..
٧ ذكره العجلوني في كشف الخفاء(حديث رقم ٢٦١٨) عن أنس بن مالك رضي الله عنه وتمامه: "أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره عليكم، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، الموت القيامة، فمن مات قامت قيامته ". وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس(حديث ١١١٧) عن أنس رفعه بلفظ "إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته فاعبدوا الله كأنكم ترونه واستغفروه كل ساعة"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي