قال مقاتل: يعني الذي (١) عملوا من الخير ولهم مساوئ فلا يجزيهم بها (٢).
والمعنى: ليجزيهم بحسناتهم؛ والمراد بالأحسن: جميع الحسنات، وهي موصوفة في مقابلة الذنوب بأنَّها أحسن (٣).
قوله تعالى وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن عباس: تفضّلا منه عليهم.
وقال مقاتل: فضلا على أعمالهم (٤).
والمعنى أنه يزيدهم ما لا يستحقوه بأعمالهم (٥).
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ مفسر فيما مضى (٦).
ثم ذكر الكفّار وضرب المثل لأعمالهم
٣٩ - فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قال الفراء: السَّراب ما لصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض (٧).
وقال ابن السكيت: السَّراب الذي يجري على وجه الأرض كأنَّه
(٢) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٩ أ.
(٣) ذكر الشنقيطي في "تفسير سورة النور" ص ١٤٦ وجهًا آخر فقال: أعمال الإنسان منها الحسن وهو المباح وهذا لا يجازى عليه، ومنها الأحسن وهو المندوب والواجب، وهو المراد بقوله: (أحسن ما عملوا).
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٩ أ.
(٥) هذا قول الثعلبي ٣/ ٨٦ ب.
قال الطبري ١٨/ ١٤٨: فيفضل عليهم من عنده بما أحبّ من كرامته لهم.
(٦) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة: ٢١٢].
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٥٤.
الماء، وهو يكون نصف النهار وهو (١) الذي يلصق بالأرض (٢).
وقال أبو الهيثم: سمَّي السراب سرابًا؛ لأنه يسرب سربًا، أي: يجري جريًا. يقال: سرب الماء يسرب سروبًا (٣).
وقال الفراء: القيعة (٤): جمع القاع، كما قالوا: جاز وجيزة. والقاع: ما انبسط من الأرض، وفيه (٥) يكون السراب نصف النهار (٦).
وقال الليث: القاع، أرض واسعة قد انفرجت عنها (٧) الجبال والآكام. يقال: قاعٌ وأقوع وأقواع وقيعة وقيعان، وهو ما استوى من الأرض، لا حصى فيها ولا حجارة، ولا ينبت الشجر، وما حواليه أرفع منه، وهو مصبُّ المياه (٨).
قوله تعالى: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ وهو الشديد العطش. يقال ظمئ يظمأ ظمأً فهو ظمآن (٩).
وقوله حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا قال أبو إسحاق (١٠): أي: حتى
(٢) قول ابن الكسيت في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٦ (سرب).
(٣) قول ابن التهذيب في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٦ (سرب).
(٤) في (أ)، (ظ): (البقيعة).
(٥) في (ظ): (وفيه وفيه) تكرار.
(٦) قول الفراء بنصه في "تهذيب اللغة" للأزهري ٣/ ٣٣ (قاع)، وهو في كتابه "معاني القرآن" ٢/ ٢٥٤ وليس فيه قوله: وفيه يكون..
(٧) في (أ): (عليها).
(٨) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري ٣/ ٣٣ (قاع).
(٩) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٤/ ٤٠١ "ظم". مع تقديم وتأخير.
وانظر: "الصحاح" للجوهري ١/ ٦١ "ظمأ"، "لسان العرب" ١/ ١١٦ "ظمأ".
(١٠) من هنا يبدأ الخرم في نسخة (ظ).
إذا جاء إلى السَّراب وإلى موضعه رأى أرضًا لا ماء فيها (١). وهو معنى (٢) لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.
قال المبرد: أي شيئًا مما حسب (٣). وقال غيره: أي شيئًا على ما قدَّر (٤).
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أعمال الكفّار إذا احتاجوا إليها مثل السراب إذا رآه الرجل وقد احتاج إلى الماء، فأتاه فلم يجده شيئًا، فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثوابًا وليس له ثواب (٥).
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل الكافر [يحسب أنّه في شيء كما يحسب السراب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وكذلك الكافر] (٦) إذا مات لم يجد عمله شيئًا (٧).
وقال مجاهد: عمل الكافر [إذا جاءه لم يجده شيئًا، وإتيانه إياه (٨): موتُه وفراقه الدنيا (٩).
(٢) في (ع): (قوله).
(٣) ذكر البغوي ٦/ ٥٢ هذا المعنى والذي بعده وساقهما مساقًا واحداً من غير نسبة لأحد.
(٤) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٨٦ ب.
(٥) لم أجده من رواية سعيد بن جبير، وقد روى الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ أمن طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه.
(٦) ساقط من (ع).
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٦١، والطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٥٣.
(٨) في (أ)، (ع): (إياها)، والتصويب من الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما.
(٩) رواه الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ ب؛ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٢١٠ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
وروى الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: كذلك (١) الكافر] (٢) يجيء يوم القيامة وهو يحسب أنّ له عند الله خيرًا فلا يجده ويدخله الله النار (٣).
مقاتل: يقول: هكذا الكفار حتى إذا انتهى الواحد منهم إلى عمله يوم القيامة وجده لم يغن (٤) عنه شيئًا، كما لم يجد العطشان السراب شيئًا، حتى انتهى إليه فمات من العطش وهلك (٥)، فكذا (٦) الكافر يهلك يوم القيامة (٧).
وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله ظنُّه كظن الذي يظن أن السَّراب ماء (٨).
وقال ابن قتيبة: الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه كما يحسب العطشان السراب من البعد ماءً يرويه حَتَّى إِذَا جَاءَهُ أي مات لم يجد عمله شيئًا لأنَّ الله -عز وجل- قد أبطله بالكفر ومحقه (٩).
وقوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ قال مقاتل: وجد الله بالمرصاد عند عمله فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ يقول جازاه بعمله (١٠).
(٢) ما بين المعقوفين في حاشية (أ) وعليه علامة التصحيح.
(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ ب؛ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٩٧ - ١٩٨، وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٤) في (أ): (يغن) مهملة الأول. وفي (ع): (تغن)، والمثبت من "تفسير مقاتل".
(٥) في (أ): (أو هكذا).
(٦) في (أ): (وهكذا).
(٧) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٩ أ.
(٨) "معاني القرآن" ٤/ ٤٧.
(٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص ٣٢٩.
(١٠) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٩ أ.
وقال الفراء: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ عند عمله يقول: قدم على الله فوفاه حسابه (١).
وقال صاحب النظم في هذه الآية: هذا نظم غامض؛ لأنَّه -عز وجل- وصف أعمال الكفار التي يريدون بها البرَّ في الدنيا بأنَّها (٢) تبطل في الآخرة ولا تنفعهم شيئًا، فشبهها بالسراب الذي يحسب الظمآن أنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا، كذلك الكفار في أعمالهم لا تنفعهم ولا تُقبل منهم فهي كأنَّها لا شيء، وقوله حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ متصل بالظمآن دون الكفار، إلا أنَّه -عز وجل- لما جعل الظمآن والسَّراب مثلًا للكفار في بُطول أعمالهم، أقامه (٣) مقامهم فيما يصير إليه عاقبة أمورهم، فقال وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ فجاء بذكر الظمآن على التوحيد، والمعني (٤) به الكفّار؛ لأنَّ الظمآن هاهنا مثل لا عين يقصد بالخبر، والعين المقصود بالخبر هم الكفّار، وهم يُوفَّون الحساب، يدلك (٥) على ذلك قوله: فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [وهذا لا يحتمل اتصاله بالظمآن: لأنَّه لا يكون هنالك حساب، وإنّما الحساب في الآخرة. هذا كلامه.
ومعنى هذا أن قوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكفار، ولكن لما ضرب الظمآن مثلًا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم.
(٢) في (ع): (وأنَّها).
(٣) في (ع): (قامه).
(٤) في (ع): (المعني).
(٥) في (ع): (يدل).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي