ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

ثم يقول الحق سبحانه :
ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون٤١ :
يريد الحق- سبحانه وتعالى- أن يلفتنا إلى ما يدل على وحدة الخالق الأعلى، وكمال قيوميته، وكمال قدرته، وذكرت هذه الآية بعد عدة أوامر ونواه، وكأن ربك- عز وجل- يريد أن يطمئنك على أن هذا الكون الذي خلقه من أجلك وقبل أنت تولد، بل، وقبل أن يخلق الله آدم أعد له هذا الكون، وجعله في استقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، يقول لك ربك : اطمئن فلن يخرج شيء من هذا الكون عن خدمتك فهو مسخر لك، ولن يأتي يوم يتمرد فيه، أو يعصي أوامر الله :
ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض... ٤١ ( النور ).
ألم تر... ٤١ ( النور ) : يعني : ألم تعلم، كما في قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل١ ( الفيل ) : ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، ولم ير هذه الحادثة، فلماذا لم يخاطبه ربه بألم تعلم ويريح الناس الذين يتشككون في الألفاظ ؟
قالوا : ليدلك على أن ما يخبرك الله به – غيبا عنك- أوثق مما تخبرك به عينك مشهدا لك ؛ لأن مصدر علمك هو الله، ألا ترى أن النظر قد يصيبه مرض فتختل رؤيته، كمن عنده عمى ألوان أو قصر نظر.... إلخ إذن : فالنظر نفسه وهو أوثق شيء لديك قد يكذب.
والتسبيح : هو التنزيه، والتنزيه أن ترتفع بالمنزه عن مستوى ما يمكن أن يجول بخاطرك : فالله تعالى له وجود، وأنت لك وجود، لكن وجود الله ليس كوجودك، الله له ذات وصفات، لكن ليست كذاتك وصفاتك... إلخ.
إذن : نزه ذات الله تعالى عن الذوات التي تعرفها ؛ لأنها ذوات وهبت الوجود، أما ذات الله فغير موهوبة، ذات الله ذاتية، كذلك لك فعل، والله تعالى فعل.
وقد ذكرنا في قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.... ١ ( الإسراء ).
إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء، فلم يفرقوا بين فعل الله وفعل العبد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل : سريت من مكة إلى بيت المقدس. إنما قال : أسري بي.
فالاعتراض على هذا فيه مغالطة، فإن كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهرا ؛ فذلك لأن سيركم خاضع لقدرتكم وإمكاناتكم، أما الله تعالى فيقول للشيء : كن فيكون، فلا يحتاج في فعله سبحانه إلى زمن. فمن الأدب ألا تقارن فعل الله بفعلك، ومن الأدب أن تنزه الله عن كل ما يخطر لك ببال، نزه الله ذاتا، ونزهه صفاتا، ونزهه أفعالا.
ألا ترى أن ( سبحان ) مصدر للتسبيح، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق من ينزهه، كما جاء في قوله تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو.... ١٨ ( آل عمران ) : فشهد الحق –تبارك وتعالى –لنفسه قبل أن تشهدوا، وقبل أن تشهد الملائكة، فهذه هي شهادة الذات للذات. وقبل أن يخلق الله الإنسان المسبح سبح لله السموات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى.
وحين تتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي سبح لله ما في السماوات والأرض.... ١ ( الحديد ) : فهل سبحت السموات والأرض مرة واحدة، فقالت : سبحان الله ثم سكتت عن التسبيح ؟ لا إنما سبحت في الماضي، ولا تزال تسبح في الحاضر : يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.... ١ ( الجمعة ) :
وما دام أن الكون كله سبح لله، وما يزال يسبح فلم يبق إلا أنت يا ابن آدم : سبح اسم ربك الأعلى ١ ( الأعلى ) : يعني : استح أن يكون الكون كله مسبحا وأنت غير مسبح، فصل أن تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات.
وعجيب أن نسمع من يقول أن( من ) في الآية للعاقل، فهو الذي يسبح أما السموات والأرض فلا دخل لهما في هذه المسألة، ونقول : لا دخل لها في تصورك أنت، أما الحقيقة فإنها مثلك تسبح كما قال تعالى : كل قد علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ( النور ).
وقال : ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.... ١٣ ( الرعد ) : فليس لك بعد كلام الله كلام.
وآخر يقول لك : التسبيح هنا ليس على الحقيقة، إنما هو تسبيح دلالة وحال، لا مقال، يعني : هذه المخلوقات تدل بحالها على تسبيح الله وتنزيهه، وأنه واحد لا شريك له، على حد قول الشاعر :
وفي كل شيء له آية **** تدل على أنه الواحد
وهذا القول مردود بقوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.... ٤٤ ( الإسراء ).
إذن : فهذه المخلوقات تسبح على الحقيقة ولها لسان ولغة، لكنك لا تفهم عنها ولا تفقه لغاتها، وهل فهمت أنت كل لغات بني جنسك حتى تفهم لغات المخلوقات الأخرى ؟ إن العربي إذا لم يتعلم الإنجليزية مثلا لا يستطيع أن يفهم منها شيئا، وهي لغة منطوقة مكتوبة، ولها ألفاظ وكلمات وتراكيب مثل العربية.
إذن : لا تقل تسبيح حال، هو تسبيح مقال، لكنك لا تفهمه، وكل شيء به مقال ويعرف مقاله، بدليل أن الله تعالى إن شاء أطلع بعض أهل الاصطفاء على هذه اللغات، ففهمها كما فهم سليمان عليه السلام عن النملة فتبسم ضاحكا من قولها... ١٩ ( النمل ) : وسمع كلام الهدهد وفهم عنه ما يقول عن ملكة سبأ.
ونقول لأصحاب هذا الرأي : تأملوا الخلية المسدسة التي يصنعها النحل وما فيها من هندسة تتحدى أساطين الهندسة والمقاييس أن يصنعوا مثلها، تأملوا عش الطائر وكيف ينسج عيدان القش، ويدخل بعضها في بعض، ويجعل للعش حافة تحمى الصغار، فإذا وضعت يدك في العش وهو من القش وجدت له ملمس الحرير، تأملوا خيوط العنكبوت وكيف يصطاد بها فرائسه ؟.
لقد شاهدت فيلما مصورا يسجل صراعا بين دب وثور، الدب رأى قرون الثور طويلة حادة، وعلم أنها وسيلة الثور التي ستقضي عليه، فما كان منه إلا أن هجم على الثور وأمسك قرنيه بيديه، وظل ينهش رأس الثور بأسنانه حتى أثخنه جراحا حتى سقط فراح يأكله.
إذن : كيف نستبعد أن يكون لهذه المخلوقات لغات تسبح الله بها لا يعرفها إلا بنو جنسها، أو من أفاض الله عليه بعلمها ؟.
ثم ألم يتعلم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى لما قتل قابيل هابيل ؟ كما يقول
سبحانه : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه.... ٣١ ( المائدة ) : وكأن ربنا- عز وجل – يعلمنا الأدب وعدم الغرور.
وقرأنا أن بعض الباحثين والدارسين لحياة النمل وجدوا أنه يكون مملكة متكاملة بلغت القمة في النظام والتعاون، فقد لاحظوا مجموعة تمر هنا وهناك، حتى وجدت قطعة من طعام فتركوها وانصرفوا، حيث أتوا، ثم جاءت بعدهم كوكبة من النمل التفت حول هذه القطعة وحملتها إلى العش، ثم قام الباحث بوضع قطعة أخرى ضعف الأولى، فإذا بمجموعة الاستكشاف ( أو الناضورجية ) تمر عليها وتذهب دون أن تحاول حملها، وبعدها جاء جماعة من النمل ضعف الجماعة الأولى، فكأن النمل يعرف الحجم والوزن والكتلة ويجيد تقديرها.
وفي إحدى المرات لاحظ الباحث فتاتا أبيض أمام عش النمل، فلما فصحه وجده من جنين الحبة الذي يكون النبتة، وقد اهتدى النمل إلى فصل هذا الجنين حتى لا تنبت الحبة فتهدم عليهم العش، لهذا الحد علم النمل قانون صيانته، وعلم كيف يحمي نفسه، وهو من أصغر المخلوقات، أبعد هذا كله نستبعد أن يكون للنمل أو لغيره لغته الخاصة ؟
ثم يقول سبحانه : والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ( النور ) : فلماذا خص الطير بالذكر مع أنها داخلة في من في السماوات والأرض.... ٤١ ( النور ) :
قالوا : خصها لأن لها خصوصية أخرى وعجيبة، يجب أن نلتفت إليها ؛ لأن الله تعالى يريد أن يجعل الطير مثلا ونموذجا لشيء أعظم، فالطير كائن له وزن وثقل، يخضع لقانون الجاذبية التي تجذب للأرض كل ثقل يعلق في الهواء.
لكن الحق- سبحانه وتعالى – يخرق هذا القانون للطير حين يصف أجنحته في الهواء، يظل معلقا لا يسقط :{ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا
الرحمان.... ١٩ }( الملك ).
وكأن الخالق – عز وجل يقول : خذوا من الطير المشاهد نموذجا ووسيلة إيضاح، فإذا قلت لكم : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه... ٦٥ ( الحج ) : فصدقوا وآمنوا أن الله يمسك السماء، بل : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكها من أحد من بعده.... ٤١ ( فاطر ).
فخذ من المشهد الذي تدركه دليلا على ما لا تدركه.
لكن، من الفاعل في علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ( النور ) ؟.
يمكن أن يكون الفاعل الطير وكل ما في الوجود، وأحسن منه أن نقول : علم الله صلاتها وتسبيحها ؛ لأنه سبحانه خالقها وهاديها إلى هذا التسبيح١. إذن : فكل ما في الوجود يعلم صلاته ويعلم تسبيحه، كما تعلم أنت المنهج، لكنه استقام على منهجه لأنه مسخر وانحرفت أنت لأنك مخير.
فإن أردت أن تستقيم أمور حياتك فطبق منهج الله كما جاءك ؛ لذلك لا تجد في الكون خللا أبدا إلا في منطقة الاختيار عند الإنسان، كل شيء لا دخل للإنسان فيه يسير منتظما، فالشمس لم تعترض في يوم من الأيام ولم تتخلف، كذلك القمر والنجوم والهواء، إنها منضبطة غاية الانضباط، حتى إن الناس يضبطون عليها حساباتهم ومواعيدهم واتجاهاتهم.
لذلك يقول تعالى : الشمس والقمر بحسبان٥ ( الرحمن ) : يعني : بحساب دقيق، وما كان للشمس أن تضبط الوقت إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة.
والله عليم بما يفعلون٤١ ( النور ) : أي : لقيوميته تعالى على خلقه.

١ قال القرطبي في تفسيره (٦/٤٨٢٤): "يجوز أن يكون المعنى: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، أي: علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح؛ ولهذا قال:والله عليم بما يفعلون ٤١(النور) أي: لا يخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم. وقد قيل: المعنى: قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير