يراها، فهو لم يراها من شدة الظلمة.
وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يراها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ [فصلت: ٤٨].
وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة.
ثم قال: وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة.
وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله.
قال تعالى ذكره: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ،
أي أَلَم يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، فال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق.
وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله.
وقوله: والله عَلِيمٌ / بِمَا يَفْعَلُونَ، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في والله عَلِيمٌ، يدل على قول كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: أَنَّ الله يُسَبِّحُ، وكان يلزم أن يكون " وهو عليم ". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل:
" لا أرى الموت يسبق الموت شيء ".
وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء.
وتقف على تَسْبِيحَهُ، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على يَفْعَلُونَ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي