قال ابن عباس : فيما ساءه وسره «وَيخْشَى اللَّهَ » فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي «وَيَتَّقِه » فيما بقي من عمره فأولئك هُمُ الفائزون الناجون.
قوله :«وَيَتَّقِهِ ». القراء فيه بالنسبة إلى القاف على مرتبتين :
الأولى : تسكينُ١ القاف، ولم يقرأ بها إلاّ حفص. والباقون بكسرها٢.
وأما بالنسبة إلى هاء الكناية فإنهم فيها على خمس مراتب :
الأولى : تحريكُهَا مَفْصُولةً٣ قولاً واحداً، وبها قرأ ورشٌ وابن ذَكْوَانَ وخَلَفٌ وابن كثير والكسائي٤.
الثانية : تسكينها قولاً واحداً، وبها قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم٥.
الثالثة : إسكان الهاء أو٦ وصلها بياء، وبها قرأ خلاَّد٧.
الرابعة٨ : تحريكها من غير صلة، وبها قرأ قالون وحفص٩.
الخامسة : تحريكها موصولة أو مقصورة١٠، وبها قرأ هشام ١١.
فأمَّا إسكان الهاء وقصرها وإشباعها فقد مرَّ تحقيقه مستوفًى١٢. وأما تسكين القاف فإنهم حملوا المنفصل على المتَّصل، وذلك أنهم يُسَكِّنُون عين «فَعل »١٣ فيقولون : كَبْد، وكتف، وصبر في كَبِد وكَتِف وصبِر١٤، لأنها كلمة واحدة، ثم أجري ما أشبه ذلك من المنفصل مُجْرَى المتصل، فإن «يَتَّقِه » صار منه «تَقِه » بمنزلة «كَتِف » فسكن كما يسكن، ومنه :
قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا١٥ ***. . .
بسكون الراء كما سكن الآخر :
فَبَاتَ مُنْتَصباً وَمَا تَكَرْدَسَا١٦ ***. . .
وقول الآخر :
عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ *** وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ١٧
يريد :«مُنْتَصِباً »، و «لَمْ يَلِدْهُ ».
وتقدم في أول البقرة تحرير هذا الضابط في قوله :«فهي كالحجارة »١٨ و «هي » و «هو » ونحوها :
وقال مكيٌّ : كان يجب على من سَكَّنَ القاف أن يضُمَّ الهاء، لأنَّ هاء الكناية إذا سُكِّن ما قبلها ولم يكن الساكن ياءً ضُمَّتْ نحو «مِنْهُ » و «عَنْهُ »، ولكن لما كان سكون القاف عارضاً لم يعتدَّ به، وأبقى الهاء على كسرتها التي كانت عليها مع كسر القاف، ولم يصلها بياء، لأنَّ الياء المحذوفة قبل الهاء مُقَدَّرَةٌ مَنْويَّةٌ، ( فبقي الحذف الذي في الياء قبل الهاء على أصله ١٩ ) ٢٠.
وقال الفارسيُّ : الكسرة في الهاء لالتقاء الساكنين، وليست الكسرة التي قبل الصلة، وذلك أنَّ هاء الكناية ساكنةٌ في قراءته، ولما أَجْرَى «تَقِهِ » مجرى كَتِفٍ، وسكَّن القاف التقى ساكنان، ولمَّا التقيا اضطر إلى تحريك أحدهما، فإمَّا أن يحرِّك الأول أو الثاني، ( و )٢١ لا سبيل إلى تحريك الأول، لأنه يعود إلى ما فرَّ منه، وهو ثقل «فَعِل »٢٢ فحرَّك ثانيهما ( على غير )٢٣ أصل التقاء الساكنين، فلذلك كسر الهاء، ويؤيده قوله :
. . . *** لَمْ يَلْدَه أبَوَانِ٢٤
وذلك أن أصله : لم «يَلِدْه » بكسر اللام وسكون الدال للجزم، ثم لما سكن اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأول لعاد إلى ما فرَّ منه، فحرك ثانيهما وهو الدال، وحركها بالفتح وإن كان على خلاف أصل التقاء الساكنين مراعاة لفتحة الياء٢٥. وقد ردَّ أبو القاسم بن فيره٢٦ قول الفارسي وقال : لا يصحُّ قوله : إنه كسر الهاء لالتقاء الساكنين، لأن حفصاً لم يسكِّن الهاء في قراءته قطُّ٢٧ وقد رد أبو عبد الله٢٨ شارح قصيدته٢٩ هذا الردَّ، وقال : وعجبت من نفْيِهِ الإسكان عَنْهُ مع ثُبُوتِهِ عَنْهُ في «أَرْجِهْ »٣٠ و «فَأَلْقِهْ »٣١، وإذا قَرَأَهُ في «أَرْجِهْ » و «فَأَلْقِهْ » احتمل أن يكون «يَتَّقِهْ » عنده قبل سكون القاف كذلك، وربما يرجَّحَ ذلك بما ثبت عن عاصم من قراءته إيَّاه بسكون الهاء مع كسر القاف٣٢. قال شهاب الدين : لم يَعْنِ الشاطبيُّ بأنَّه لم يسكن الهاء قطّ، الهاء من حيث هي هي٣٣، وإنما ( عَنَى هَاء ) ٣٤ «يَتَّقِهْ » خاصة، وكان الشاطبيّ أيضاً يعترض التوجيه الذي تقدم عن مكيّ، ويقول : تعليله حذف الصلة بأن الياء المحذوفة قبل الهاء مقدَّرةٌ منويَّةٌ، فبقي في حذف الصلة بعد الهاء على أصله غير مستقيم من قبل أنَّه قرأ «يُؤَدِّهِي »٣٥ وشبَّهه بالصلة، ولو كان يعتبر٣٦ ما قاله من تقدير الياء قبل الهاء لم يصلها٣٧.
قال أبو عبد الله : هو وإن قرأ «يُؤَدِّ هِي » وشبَّهَهُ بالصلة فإنه قرأ :«يَرْضَهُ »٣٨ بغير صلةٍ، فَألحق مكيّ «يَتَّقِه » ب «يَرْضَهْ »، وجعله مما خرج فيه عن نظائره لاتّباع الأثر، والجمع بين اللغتين، ويرجح ذلك عنده لأنّ اللفظ عليه، ولما كانت القاف في حكم المكسورة بدليل كسر الهاء بعدها صار كأنه «يَتَّقِهِ » بكسر القاف والهاء من غير صلةٍ، كقراءة قالون وهشام في أحد وجهيه٣٩، فعلَّله بما يُعَلَّل به قراءتهما٤٠، والشاطبيُّ يرجح عنده حمله على الأكثر مما قرأ به، لا على ما قلَّ وندر، فاقتضى تعليله بما ذكر٤١.
٢ السبعة (٤٥٧ – ٤٥٨)، الكشف ٢/١٤٠، الإتحاف (٣٢٦)..
٣ أي: محركة بالكسر دون إشباع للكسر فلا يتولد منه ياء..
٤ انظر الكشف ٢/١٤١..
٥ السبعة (٤٥٧)، الكشف ٢/١٤٠، الإتحاف ٣٢٦. وحجة من قرأ بهذه القراءة أنه توهم أن الهاء لام الفعل، بكونها آخرا، فأسكنها للجزم، وقيل: إنه أسكن على نية الوقف، وقيل هي لغة لبعض العرب، حكى سيبويه (هذه أمة الله) بالإسكان. الكتاب ٤/١٩٨. الكشف ٢/١٤١..
٦ في ب: و..
٧ هو خلاد بن خالد أبو عبد الله الشيباني، مولاهم الصيرفي الكوفي إمام في القراءة، أخذ القراءة عرضا عن سليم، وروى القراءة عن حسين بن علي الجعفي عن أبي بكر نفسه وغيرهما، وروى القراءة عنه عرضا أحمد بن يزيد الحلواني، وإبراهيم بن علي القصار وغيرهما، مات سنة ٢٢٠ هـ. طبقات القراء ١/٢٧٤ – ٢٧٥..
٨ في ب: الرابع..
٩ السبعة (٤٥٧ – ٤٥٨) الكشف ٢/١٤٠، الإتحاف (٣٢٦)..
١٠ في الأصل: أو موصولة، وفي ب: ومكسورة..
١١ الإتحاف (٣٢٦)..
١٢ عند قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما [آل عمران: ٧٥]. انظر اللباب ٢/٢٧٦..
١٣ في ب: فعلى. وهو تحريف..
١٤ وهو ما يسمى بتفريعات بني تميم، فإنهم يفرعون على بعض الأبنية لقصد التخفيف، فإنهم إنما سكنوا العين هنا كراهة الانتقال من الأخف وهو الفتح إلى الأثقل وهو الكسر سواء كان حلقي العين أم لا، وأهل الحجاز لا يفرعون ولا يغيرون البناء. انظر شرح الشافية ١/٣٩ – ٤٧..
١٥ رجز، قاله العذافر الكندي، وهو في النوادر (١٧٠)، والحجة لأبي علي ١/٣١١، المحتسب ١/٣٦١، الخصائص ٢/٣٤٠، ٣/٩٦، المنصف ٢/٢٣٧، شرح شواهد الشافية ٤/٢٢٤..
١٦ من الرجز، قاله العجاج يصف ثورا، وهو في ديوانه ١٣٠، الحجة لأبي علي ١/٣٠٩، الخصائص ٢/٢٥٢، ٣٣٨، ابن يعيش ٩/١٤٠، اللسان (كردس)، شرح شواهد الشافية ٤/٢١، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا. التكردس: الانقباض واجتماع بعضه إلى بعض، النبأة: الصوت يسمع ولا يفهم. التوجس التسمع للصوت.
والشاهد فيه قوله (منتصبا) بإسكان الصاد إجراء لبعض حروف الكلمة وهي (نصبا) مجرى الكلمة نحو (كنف) في التخفيف، وكان حق الحركة الكسر لأنها اسم فاعل. وروى (منتصا) أي مرتفعا، وعليها فلا شاهد..
١٧ البيت من بحر الطويل، ينسب لرجل من أزد السراة، وقيل: لعمرو الجنبي. وقد تقدم..
١٨ [البقرة: ٧٤]..
١٩ الكشف ٢/١٤٢..
٢٠ ما بين القوسين في الكشف: فبقي الحذف على الياء التي بعد الهاء على أصله..
٢١ و: تكملة ليست بالمخطوط..
٢٢ في ب: فعلى. وهو تحريف..
٢٣ ما بين القوسين في النسختين: بأصل..
٢٤ تقدم تخريجه..
٢٥ انظر الحجة لأبي علي الفارسي ٦/٤..
٢٦ تقدم..
٢٧ انظر الدر المصون ٥/١١٦..
٢٨ في ب: أبو عبيدة. وهو تحريف. هو محمد بن حسن بن محمد بن يوسف أبو عبد الله الفاسي نزيل حلب، إمام كبير ولد بفاس بعيد الثمانين وخمسمائة، ثم قدم إلى مصر، وأخذ عن علمائها في ذلك الوقت، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بحلب، وشرحه للشاطبية في غاية الحسن. مات سنة ٦٥٦ هـ بحلب. طبقات القراء ٢/١٢٢ – ١٢٣..
٢٩ في ب: وصيدته. وهو تحريف..
٣٠ [الأعراف: ١١١] [الشعراء: ٣٦]..
٣١ من قوله تعالى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم [النمل: ٢٨]..
٣٢ انظر اللآلئ الفريدة في شرح القصيدة (٥٠)..
٣٣ هي: سقط من ب..
٣٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٥ من قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك [آل عمران: ٧٥]. وهي قراءة ابن كثير والكسائي بياء في اللفظ بعد الهاء صلة لها. السبعة (٢٠٨)..
٣٦ في ب: بغير..
٣٧ انظر الدر المصون ٥/١١٦..
٣٨ من قوله تعالى: وإن تشكروا يرضه لكم [الزمر: ٧]. وقراءة "يرضه" من غير إشباع قراءة ابن عامر، ونافع في رواية ورش ومحمد بن إسحاق عن أبيه، وقالون في رواية أحمد بن صالح وابن أبي مهران عن الحلواني عن قالون، وكذلك قال يعقوب بن جعفر عن نافع. السبعة (٥٦٠)..
٣٩ السبعة (٤٥٦)، الإتحاف (٣٢٦)..
٤٠ في ب: قراءته..
٤١ انظر الدر المصون ٥/١١٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود