تمهيد :
بعد أن ذكر - سبحانه – الأدلة الواضحة على توحيده وأتم بيانها، ثم ذكر أنه يهدي بها من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم، أعقبه بذكر من لم يهتد بها، وهم المنافقون الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فيقولون : آمنا بالله وبالرسول، ثم يفعلون ضد ما يقولون، فإذا دعوا ليحكم بينهم الرسول فيما يتنازعون فيه أبوا، وخافوا أن يحيف عليهم، والمؤمن الصادق الإيمان إذا ما دعى إلى الله والرسول ؛ قال سمعا وطاعة، ثم بين بعض أكاذيبهم التي يراءون بها ويدعون الإخلاص فيها. فمنها أنهم يحلفون أغلظ الأيمان أنهم مطيعون للرسول في كل ما يأمرهم به، حتى لو أمرهم بالخروج والجهاد لبوا الأمر سراعا، ثم أمر الرسول بنهيهم عن الحلف والأيمان، لأن طاعتهم معروفة لا تحتاج إلى يمين، وبأن يقول لهم : أطيعوا الله حقا لا رياء، فإن أبيتم فإنما علي التبليغ وعليكم السمع والطاعة، فإن أطعتموني اهتديتم، وإن توليتم فقد فعلت ما كلفت به، وعلى الله الحساب والجزاء.
قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف، ثم تحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحكم لليهودي ؛ فلم يرض المنافق بقضائه، فقال : نتحاكم إلى عمر – رضي الله عنه – فلما ذهبا إليه، قال له اليهودي : قضى لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : بلى. فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل – رضي الله عنه – بيته، وخرج بسيفه فضرب به عنق المنافق حتى برد. وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
٥٢ - وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
أي : ومن يطع الله ورسوله فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، ويخش الله فيما صدر منه من الذنوب فيحمله ذلك على الطاعة وترك المعاصي، ويتقه في مستأنف أموره، فأولئك الذين وصفوا بكل هذا هم الفائزون برضاه عنهم يوم القيامة، والآمنون من عذابه.
تفسير القرآن الكريم
شحاته