ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ثم ذكر مقالة أخرى من أقاويل الكفرة ؛ ليبطلها كما أبطل ما قبلها، فقال :
وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِيا أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً * وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً
قلت :( وقال ) : عطف على :( وقالوا مال هذا الرسول. . . ) إلخ، ووضع الموصول موضع الضمير ؛ للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما حكي عنهم مِنَ الشناعة بحيث لا يصدر ممن يعتقد المصير إلى الله - عز وجل -.
يقول الحق جل جلاله : وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي : لا يتوقعون الرجوع إلينا بالبعث، أو حسابنا المؤدي إلى سوء العذاب، الذي تستوجبه مقالاتهم الشنيعة.
والحاصل : أنهم يُنكرون البعث بالكلية، فأطلق الرجاء على التوقع. وقيل : لا يخافون لقاءنا ؛ لأن الرجاء في لغة تهامة : الخوف، قالوا : لولا ؛ هلا أنزل علينا الملائكةُ رسلاً دون البشر، أو : يشهدون بنبوة محمد ودعوى رسالته، أو نرى ربَّنا جهرة، فيخبرنا برسالته، ويأمرنا باتباعه، وإنما قالوا ذلك ؛ عناداً وعتوّاً.
قال تعالى : لقد استكبروا في أنفسهم أي : أضمروا الاستكبار، وهو الكفر والعناد في قلوبهم، أو : عظموا في أنفسهم حتى اجترؤوا على التفوه بمثل هذه العظيمة الشنعاء، وعَتَواْ أي تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان عُتواً كبيراً ؛ بالغاً أقصى غاياته، أي : إنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم ؛ إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو، حتى أمَّلوا نيل المشاهدة والمعاينة والمفاوضة التي اختص بها أكابر الرسل وخاصة الأولياء، بعد تطهير النفوس وتصفية القلوب والأرواح. وهذا كقولهم :
وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ. . . إلى قوله : أَوْ تَأْتِىَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً [ الإسراء : ٩٠، ٩٢ ]. ولم يكتفوا بما رأوا من المعجزات القاهرة ؛ فذهبوا في الاقتراح كل مذهب، حتى منَّتهم أنفسهم الخبيثة أمالي سُدت دونها مطامع النفوس القدسية. واللام : جواب قسم محذوف، أي : والله لقد استكبروا. . الآية. وفيه من الدلالة على قُبح ما هم عليه، والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم، ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هؤلاء طلبوا الرؤية قبل إِبَّانِهَا وتحصيل شروطها، وهي الإيمان بالله، والإخلاص، والخضوع لمن يدل على الله، وذل النفس وتصغيرها في طلب الله. ولذلك قال تعالى في وصفهم - الذي منعهم من شهوده تعالى : لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عتواً كبيراً أي : ولو صغروا في أنفسهم، وخضعوا خضوعاً كبيراً ؛ لحصل لهم ما طلبوا، ولبُشروا بما أملوا، وفي ذلك يقول الشاعر :

تَذَلَّلْ لِمنْ تَهْوَى ؛ فَلَيْسَ الْهَوى سَهْلُ إِذَا رَضِيَ المحبوبُ صَحّ لَكَ الوَصْلُ
تذلَّلْ لَهُ ؛ تَحْظَى بِرُؤيَا جَمالِهِ فَفِي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى الْفَرَائِضُ والنَّفْلُ
وقيل لأبي يزيد رضي الله عنه، حين قام يصلي بالليل : يا أبا يزيد، خزائننا معمورة بالخدمة، ائتنا من كُوّة الذل والافتقار. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها الزحام، فأتيت باب الذل والفقر فوجدته خالياً، فدخلت وقلت : هلموا إلى ربكم. أو كما قال.
وفي قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ... الخ، الترغيب في الإخلاص الموجب لقبول الأعمال، والترهيب من الرياء والعجب، الموجبان لإحباط الأعمال. وفي حديث معاذ عنه صلى الله عليه وسلم :" إن الله خلق سبعة أملاك قبل خلق السماوات، ووكل كل مَلَكٍ بباب من أبواب السماء، فتصعد الحَفَظَةُ بعمل العبد إلى السماء الأولى فيقول المَلَكُ : ردوه، واضربوا به وجهه ؛ إنَّ صاحبه كان يغتاب الناس، تم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الثانية، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الثالثة، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الخامسة، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يحسد الناس ويقع فيهم، ثم تصعد الحفظة إلى السماء السادسة، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان لا يرحم إنساناً قط، بل كان يشمت بمن وقع في بلاء، أنا ملك الرحمة، أمرني ألا يجاوزني عمله. ثم تصعد الحفظة إلى السماء السابعة، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يحب الظهور والرفعة عند الناس، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد ؛ من صلاة، وذكر، وتفكر، وحسن خلق، فيقفون بين يدي الله، ويشهدون له بالصلاح، فيقول الرب جل جلاله : أنتم الحفظة على عمل عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، إنه لم يُرِدْنِي بهذا العمل، أراد به غيري، فعليه لعنتي، ثم تلعنه الملائكة والسماوات١. انتهى باختصار، وخرجه المنذري. وتكلم في وضعه. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير