أولها:
أنهم حين مشاهدة العذاب يدركون من أضل دينا أهم أم محمد؟
ثانيها:
أنهم لجهالتهم وإعراضهم عن آيات الله اتخذوا أهواءهم آلهة، فأصروا على الشرك، وقلدوا آباءهم، مع إقرارهم بأن الله خالقهم ورازقهم، وعبدوا الأحجار من غير حجة.
ثالثها:
أن أكثرهم لا يسمعون سماع قبول أو يفكرون فيما يقوله النبي صلّى الله عليه وسلم فيعقلونه، أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع، وما هم إلا كالأنعام لا يفكرون في الآخرة، بل هم أضل إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام.
٤- دلّ قوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد، على أن الهداية والضلالة ليستا موكولتين إلى مشيئة النبي صلّى الله عليه وسلم، وإنما عليه التبليغ. والآية تسلية له عن تركهم الإيمان وإعراضهم عن دعوته.
أدلة خمسة على وجود الله وتوحيده
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)
الإعراب:
وَأَناسِيَّ معطوف على أَنْعاماً وواحده (أنسي) أو (إنسان). قال الفراء والزجاج: الأنسي والأناسي كالكرسي والكراسي. وقال الزمخشري: الأناسي: جمع أنسي أو إنسان.
البلاغة:
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً تشبيه بليغ، حذف منه أداة الشبه ووجه التشبيه، أي كاللباس الساتر.
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً مقابلة بين الليل والنهار، والنوم والتقلب في المعاش.
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ استعارة، استعار اليدين لما هو أمام الشيء وقدّامه.
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ التفات من الغيبة: أَرْسَلَ الرِّياحَ إلى التكلم للتعظيم والامتنان.
هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ بينهما مقابلة، أي في نهاية العذوبة ونهاية الملوحة.
المفردات اللغوية:
أَلَمْ تَرَ ألم تنظر. إِلى رَبِّكَ إلى صنعه وفعله. مَدَّ الظِّلَّ بسطه، والظل:
خيال الأشياء المادية ذات الجسم كجبل أو بناء أو شجر من حين طلوع الشمس حتى غروبها. وهو دليل الحدوث وتصرف الله فيه على الوجه النافع، مما يدل على أن ذلك فعل الصانع الحكيم. وَلَوْ
شاءَ
ربك. ساكِناً ثابتا مقيما على حاله في القدر، فلا يزول ولا تذهبه الشمس بأن يجعل الشمس قائمة على وضع واحد. ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي جعلنا الشمس علامة على الظل، فلولا الشمس ما عرف الظل. ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي أزلنا الظل ومحوناه بإيقاع الشعاع عليه تدريجيا قليلا قليلا شيئا فشيئا بمعدل سير الشمس في فلكها وبمقدار ارتفاعها.
لِباساً جعل ظلام الليل ساترا كاللباس. سُباتاً راحة لأبدانكم بقطع الأعمال والمشاغل، من السبت وهو القطع. نُشُوراً ذا نشور، أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش وابتغاء الرزق، أو بعثا من النوم بعث الأموات. بُشْراً مبشرات. بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدّام المطر، وقرئ: نشرا أي متفرقة قدّام المطر، جمع نشور كرسول ورسل. طَهُوراً مطهرا يتطهر به، لقوله تعالى: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال ٨/ ١١] وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما يوقد به. وتطهير الظواهر دليل على تطهير البواطن.
بَلْدَةً مَيْتاً أي لا نبات فيها، والميت يستوي فيه المذكر والمؤنث، وذكّر ميتا باعتبار المكان، أي لأن البلدة في معنى البلد. والفرق بين الميت بالتخفيف، والميّت بالتشديد أن الأول لمن مات حقيقة، والثاني لمن سيموت. وَنُسْقِيَهُ أي الماء. أَنْعاماً هي الإبل والبقر والغنم.
وَأَناسِيَّ كَثِيراً هم الناس، جمع أنسي. والمراد: أنعاما كثيرة وبشرا كثيرين لأن فعيل يراد به الكثرة.
صَرَّفْناهُ أي الماء بمعنى فرقناه وحولناه من جهة إلى أخرى، ومنه: تصريف الأمور.
لِيَذَّكَّرُوا أي يتذكروا نعمة الله به ويعتبروا. كُفُوراً كفران النعمة وإنكارها وقلة الاكتراث بها، حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا أي سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق، يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، ما عدا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل: إلى الطالع لأنه في سلطانه، وجمعه أنواء.
نَذِيراً نبيا ينذر أهلها ويخوفهم، ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيرا، ليعظم أجرك. فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ في هواهم وفيما يريدون منك وهو تهييج له وللمؤمنين. وَجاهِدْهُمْ بِهِ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه. فَلا تُطِعِ والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. جِهاداً كَبِيراً لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف. مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان. فُراتٌ مفرط العذوبة. مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة. بَرْزَخاً حاجزا.
وَحِجْراً مَحْجُوراً تنافرا بليغا شديدا أو حدا محدودا. نَسَباً وَصِهْراً أي ذوي نسب وهم الذكور الذين ينسب إليهم، والصهر: أي ذوي صهر وهم الإناث اللائي يصاهر بهن.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى جهل المعرضين عن أدلة التوحيد ومناقشتهم وفساد تفكيرهم في ذلك، ذكر خمسة أدلة دالة بنحو قاطع حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة.
التفسير والبيان:
أورد الحق تعالى أدلة خمسة على وجوده وقدرته من الظواهر الكونية التي يدركها ويشاهدها عيانا كل مخلوق وهي خلق الظل، والليل والنهار، والرياح والأمطار، والبحار المالحة والعذبة، والإنسان من الماء، وهي ما يلي:
١- أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ألم تنظر أيها الرسول وكل سامع إلى صنع ربك الذي يدل على كمال قدرته ومنتهى رحمته كيف بسط الظل، يتفيأ به الناس طوال النهار، وينعمون فيه بالوقاية من شدة حر الشمس، من طلوع الشمس إلى غروبها. ولو شاء لجعله ثابتا دائما على حال واحدة لا يتغير طولا وقصرا، وإنما جعله متفاوتا في ساعات النهار والفصول المختلفة، وفي ذلك فوائد كثيرة للإنسان والنبات والحيوان، ومن فوائده: اتخاذه مقياسا للزمن، حتى إن الفقهاء جعلوه علامة على بعض أوقات الصلاة، كالظهر عند الزوال، أي تحول الظل نحو المشرق وميل الشمس نحو المغرب، والعصر إذا بلغ ظل كل شيء مثله في رأي الجمهور، وعند أبي حنيفة: إذا بلغ ظل كل شيء مثليه.
وهذا على تفسير أَلَمْ تَرَ برؤية العين، والأولى في رأي الرازي حمله على رؤية القلب، والمعنى: ألم تعلم لأن الظل من المبصرات ولكن تأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي.
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي ثم جعلنا طلوع الشمس علامة على الظل، فلولا طلوعها لما عرف الظل فإن كل شيء يتميز بضده. وهذا يعني أن الله تعالى خلق الظل أولا، ثم جعل الشمس دليلا عليه. ثم أزلنا الظل وحولناه وغيرنا اتجاهه بضوء الشمس قليلا قليلا وشيئا فشيئا على مهل غير فجأة بحسب سير الشمس وارتفاعها، حتى لا يبقى على الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه.
وفي إيجاد الظل وتغيره بعد شروق الشمس إلى غروبها، وانتقاله من حال إلى حال، وقبضه وبسطه، والتصرف فيه على وفق الحكمة دليل واضح على وجود الإله القادر، الخبير البصير، العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم.
٢- وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، وَالنَّوْمَ سُباتاً، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي والله هو الذي جعل ظلام الليل ساترا كاللباس، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل ٩٢/ ١] وجعل النوم كالموت قاطعا للحركة، توفيرا لراحة الأبدان والحواس والأعضاء، بعد إجهاد النهار، وعناء العمل، فبالنوم تسكن الحركات وتستريح الأعصاب والأعضاء والبدن والروح معا.
وجعل تعالى النهار مجالا للانتشار في الأرض، ينتشر فيه الناس لابتغاء الرزق وغيره، ويتوزعون فيه لمعايشهم ومكاسبهم.
وكما أن النوم يشبه الموت، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام ٦/ ٦٠] وقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر ٣٩/ ٤٢] فإن الانتشار واليقظة يشبه البعث، قال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.
ونظير الآية قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص ٢٨/ ٧٣].
وفي الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، ففي ضوء النهار الحياة والبهجة والحركة والعمل، وفي الليل الهدوء والسكون وإعداد النفس للكد والكدح والجهاد، والله تعالى جعل لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه لأن في ستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي تشبيه النوم واليقظة بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر.
٣- وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي والله تعالى الذي يرسل الرياح مبشّرات بمجيء السحاب وهطول الأمطار.
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً أي وأنزلنا مطرا من السماء، أي السحاب وجعلناه طاهرا مطهّرا، أي وسيلة يتطهر بها في تنظيف الأجسام والملابس والأشياء المختلفة، والانتفاع به في الطعام والشراب وسقي النباتات والحيوانات. والطهور: اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما يوقد به.
روى الشافعي وأحمد وصححه، وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الماء طهور لا ينجّسه شيء».
وروى أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لما سئل عن التوضؤ بماء البحر: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته».
وقال سعيد بن المسيّب في هذه الآية: أنزله الله طهورا، لا ينجسه شيء.
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي وأنزلناه لإحياء الأرض التي لا نبات فيها، وطال انتظارها للغيث، فتصبح بعد ريها مزدهرة بأنواع النبات والزهر والشجر، كما قال تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
[الحج ٢٢/ ٥].
وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً أي وليشرب منه الحيوان والإنسان المحتاجان إليه أشد الحاجة لبقاء الحياة وسقي الزروع والأشجار، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى ٤٢/ ٢٨].
والخلاصة: ذكر الله تعالى لمنافع الماء أمرين: إحياء النبات، لقوله:
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وإحياء الحيوان والإنسان لقوله: أَنْعاماً وَأَناسِيَّ.
والسبب في تخصيص الإنسان والأنعام هنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء هو شدة الحاجة، فالطير والوحش تبعد في طلب الماء، وتصبر على فقده أكثر من الناس والحيوان الأهلي، فلا يعوزها الشرب غالبا.
وتنكير الأنعام والأناسي، ووصفهما بالكثرة، لملاحظة أحوال الماشية البعيدة عن منابع الماء، وأهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، أما أهل المدن والقرى فيقيمون عادة بقرب الأنهار ومنابع الماء، فهم في غنية عن المطر بشرب المياه المجاورة لهم.
وقدم الأنعام وأخر الإنسان عن النبات والحيوان لشدة حاجة الحيوان وكونه عاجزا عن التعبير عن مراده، أما الإنسان فيتفنن في استخراج الماء بوسائل عديدة، ولأن الناس إذا ظفروا بما يسقي أرضهم ومواشيهم، فقد ظفروا أيضا بسقياهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم.
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي ولقد فرقنا المطر وحولناه من جهة إلى أخرى، فأمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب من مكان إلى آخر ليتذكروا نعمة الله ويعتبروا، فإن الحرمان من الشيء ثم الإفاضة به يذكّر بفضل الله ونعمته، فيوجب الشكر، ويدفع الإنسان إلى العظة والعبرة، ولكن أكثر الناس يأبون شكر النعمة، ويكفرون بها
ويجحدونها، وينسبون ذلك لغير الخالق الحقيقي، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي من النجوم الساقطة أو الطالعة، كما
ورد في صحيح مسلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل: «أتدرون ماذا قال ربّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب».
وفسر بعضهم قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ أي تصريف القرآن وتقليب حججه وآياته من حال إلى حال، ليذكر الناس ويتعظوا، ومع ذلك كفر به كثيرون.
وفي إنزال المطر والتحكم فيه من قبل الله دليل على وجوده وقدرته وحكمته، فإذا ما أحيا الله الأرض الميتة به، تذكر الناس أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، وإذا ما حرم قوم المطر تذكروا أنما أصيبوا بالحرمان بذنب حدث منهم، فيقلعون عما هم عليه، ليتعرضوا إلى رحمة الله. وكما أن المطر نعمة ينبغي أن تذكر فتشكر، هناك نعمة عظمي على الإنسانية وهي إرسال الرسول محمد صلّى الله عليه وسلم بالقرآن، فقال تعالى:
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً أي لو أردنا أن نبعث في كل قرية رسولا منذرا يخوف الناس من عذاب أليم لفعلنا، ولكنا بعثناك يا محمد إلى الثقلين: الجن والإنس، وإلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن، كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى ٤٢/ ٧] وقال:
قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف ٧/ ١٥٨]
وجاء في الصحيحين: «بعثت إلى الأحمر والأسود»
أي إلى العجم والعرب.
وفيهما أيضا:
«وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»
وعموم البعثة لندّخر
لك أيها الرسول عظيم الثواب، وواسع الجزاء، فما عليك إلا الجهاد والصبر، ولا تأبه بإعراضهم عن دعوتك. لهذا قال:
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً أي فلا تتبع الكفار فيما يدعونك إليه من مجاملة أو موافقة لآرائهم ومذاهبهم، وجاهدهم بكل سلاح مادي أو عقلي وهو القرآن جهادا شاملا لا هوادة فيه، متناسبا مع كل فرصة تنتهزها، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة ٩/ ٧٣]. والجهاد الكبير: هو الذي لا يخالطه فتور.
٤- وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً أي والله الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة، وهذا مالح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، كأن بينهما حاجزا منيعا، وكأنهما ضدان مفترقان متنافران لا يجتمعان، ولا يصل أحدهما إلى الآخر، فهما في مرأى العين واحد، ولكنهما في الحقيقة والواقع منفصلان، كما قال تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن ٥٥/ ١٩- ٢١] وقال: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النمل ٢٧/ ٦١].
أي دليل آخر يدل على قدرة الله الباهرة غير مثل هذا الدليل؟ إن الماء ماء واحد، ولكن الماء العذب لا يختلط بالماء المالح، والله خلق الماءين: الحلو والملح، وجعل الأنهار والعيون والآبار حلوة، وهي البحر الحلو الفرات الزلال، وجعل البحار في المشارق والمغارب والمحيطات الخمس مالحة، وملوحتها سبب لنقاوتها وعدم فسادها، ويتجدد هواء البحر بالمد والجزر، فتستطيع الأسماك في قيعانه العيش بسلام.
٥- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً أي والله سبحانه الذي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرا وأنثى كما يشاء، فقسمه قسمين: ذكورا تنسب إليهم الأنساب، وإناثا يصاهر بهن، كما قال: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [القيامة ٧٥/ ٣٩] وكان الله قديرا بالغ القدرة على كل شيء من هذا وغيره، يخلق ما يريد، وقد أبدع كل شيء خلقه، وأتقن كل ما في الوجود، وهو ما يزال كامل القدرة على الإبداع والخلق والتكوين. وختم الآية بإثبات القدرة هو مسك الختام.
قال ابن سيرين: نزلت هذه الآية في النبي صلّى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه لأنه جمعه معه نسب وصهر. وقال ابن عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة.
وهذا دليل آخر على قدرة الله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بطاقات الحس والعقل، والمعرفة والتفكير، وأقدره على مخلوقات الدنيا، وجعلها مذلّلة مسخرة لخدمته ونفعه، فسبحانه من إله بديع الخلق، عجيب الصنع، واهب الوجود، ومبدع الكون العجيب.
فقه الحياة أو الأحكام:
في هذه الآيات أدلة خمسة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وهي:
أولا- خلق الظل المقابل للشمس وتمديده طوال النهار وانعدامه عند الظهيرة ما عدا سقف البيت والشجر، حكى أبو عبيدة عن رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل.
والظل نعمة عظمي للأحياء والعقلاء في كل مكان، لا سيما في البلاد الحارة، ففيه الراحة والهدوء، وتوقي الحر، أو الوقاية من ضربات الشمس الحادّة، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ، سُجَّداً لِلَّهِ، وَهُمْ داخِرُونَ [النحل ١٦/ ٤٨].
وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم، أي من رؤية القلب. والخطاب وإن كان في الظاهر للرسول صلّى الله عليه وسلم فهو عام في المعنى.
والشمس دليل على الظل لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، فالشمس دليل، أي حجة وبرهان.
ويتفاوت طول الظل وقصره أثناء النهار تفاوتا سهلا يسيرا، شيئا فشيئا، والله هو الذي يقبضه بيسر وسهولة، وكل أمر ربنا عليه يسير.
ثانيا- الليل ستر للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن، والنوم راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، والنهار ذو نشور، أي انتشار للمعاش، فهو سبب الإحياء للانتشار. والنوم ليلا يشبه الإماتة، واليقظة نهارا تشبه البعث،
وكان صلّى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».
ثالثا- الرياح مبشّرات بهطول المطر، تقود السحب من مكان إلى آخر، والأمطار الهاطلة حياة الأبدان والنباتات والحيوانات، وهي ماء طهور أي ما يتطهر به، والمراد أنه مطهر. وأجمعت الأمة على أن وصف (طهور) يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة.
والمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة، على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. والمخالط للماء ثلاثة أنواع: نوع يوافقه في صفتيه جميعا وهو التراب طاهر مطهر، ونوع يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيّره سلبه صلاحية التطهير وهو ماء الورد وسائر المائعات الطاهرات، ونوع يخالفه في الصفتين جميعا، وهو النجس.
ويرى الجمهور أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، والكثير لا يفسده إلا
ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه من النجاسات. ويرى أبو حنيفة أنه إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته، كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت النجاسة فيه، فإن وقعت نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس.
وميّز الشافعية بين القليل والكثير بمقدار القلتين (١٥ صفيحة) فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر مطهر، وإذا غيرت أحد أوصافه، ولو تغيرا يسيرا فنجس
لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلّتين، لم يحمل الخبث» أو «لم ينجس»
قال الحاكم: على شرط الشيخين: البخاري ومسلم.
ولا حدّ عند المالكية بين القليل والكثير، والمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما هو قدر آنية الوضوء والغسل قليل يسير، وما يزيد عن ذلك كثير.
ولا يضر تغير الماء بما في مقره وممره كزرنيخ وطحلب وورق شجر ينبت عليه. وكذلك لا يضر ما مات في الماء مما لا دم له، أو له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع إن لم يغيّر ريحه.
والماء المستعمل القليل في رفع حدث أو إزالة نجس طاهر مطهر عند المالكية، وطاهر غير مطهر عند الجمهور. ودليل المالكية: الآية التي وصفت الماء بالطهور والمطهر، والأصل في الثابت بقاؤه، والسنة وهو
أنه صلّى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وأنه توضأ فأخذ من بلل لحيته، فمسح به رأسه،
والقياس: وهو أنه ماء طاهر لقي جسدا طاهرا، فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديدا. ودليل الجمهور
قوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم «١» وهو جنب»
ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى.
والقياس وهو أن الصحابة كانوا يتوضئون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه، مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة. «١»
والماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات: هو الماء الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار، وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كماء الورد، ولا يضره لون أرضه، كما بينا.
ولا بأس في مذهب الجمهور أن يتوضأ الرجل بفضل ماء وضوء المرأة وتتوضأ المرأة من فضل ماء وضوء الرجل، سواء انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد روى الترمذي عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه مسلم أيضا.
رابعا- أرسل الله البحرين: العذب والمالح، وجعلهما متجاورين متلاصقين لا يمتزجان ولا يختلطان، وجعل بينهما حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه، وسترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ: الحاجز، والحجر: المانع.
خامسا- خلق الله تعالى من النطفة إنسانا، وجعل من الإنسان صنفين: الذكر والأنثى، وجعل الذكر موضع نسبة النسب، والأنثى سببا للمصاهرة، وإيجاد قرابات جديدة، فكل من النسب والصهر قرابة ويعمان كل قربى بين آدميين.
وتضمنت الآيات أيضا بالإضافة إلى الاستدلال بها على قدرة الله تعداد النعم على بني الإنسان من إيجاد الظل، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال الأمطار،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي