ثم ذكر سبحانه علة الإنزال، فقال : لّنُحْيِيَ بِهِ أي بالماء المنزل من السماء بَلْدَةً مَّيْتاً وصف البلدة ب ميتاً ، وهي صفة للمذكر ؛ لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج : أراد بالبلد المكان، والمراد بالإحياء هنا : إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً أي نسقي ذلك الماء، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما، وأبو حيان وابن أبي عبلة بفتح النون من :" نسقيه " وقرأ الباقون بضمها، و«من » في : مِمَّا خَلَقْنَا للإبتداء، وهي متعلقة ب نسقيه ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال، والأنعام قد تقدّم الكلام عليها، والأناسيّ جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه. وقال الفراء والمبرّد والزجاج : إنه جمع إنسيّ، وللفراء قول آخر : إنه جمع إنسان، والأصل : أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين، فجعلوا الباء عوضاً من النون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : ما من عام بأقلّ مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله وجاهدهم بِهِ قال : بالقرآن. وأخرج ابن جرير عنه هُوَ الذي مَرَجَ البحرين يعني خلط أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَحِجْراً مَّحْجُوراً يقول : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال : سئل عمر بن الخطاب عن نَسَباً وَصِهْراً ، فقال : ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب، وأما الصهر : فالأختان والصحابة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني