في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس : إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير فسئل به خبيرا الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول : إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران : ١٢٢ ].
٢ ـ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ [ آل عمران : ١٥٩ ]
٣ ـ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [ آل عمران : ١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ النساء : ٨١ ].
٥ ـ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ التوبة : ٥١ ].
٦ ـ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : ١٢٩ ].
٧ ـ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ [ النحل : ٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : ٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : ٧٩ ].
١٠ ـ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [ الطلاق : ٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال : أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [ الليل : ٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.
ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ٥٦ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٥٧ وتَوكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ٥٨ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ٥٩ [ ٥٦ ـ ٥٩ ].
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس : إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير فسئل به خبيرا الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول : إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران : ١٢٢ ].
٢ ـ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ [ آل عمران : ١٥٩ ]
٣ ـ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [ آل عمران : ١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ النساء : ٨١ ].
٥ ـ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ التوبة : ٥١ ].
٦ ـ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : ١٢٩ ].
٧ ـ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ [ النحل : ٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : ٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : ٧٩ ].
١٠ ـ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [ الطلاق : ٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال : أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [ الليل : ٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.
التفسير الحديث
دروزة