قوله : إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّه استثناء منقطع، لأنَّ المرسلين(١) معصومون من المعاصي، وهذا هو الظاهر(٢) الصحيح، والمعنى : لكن من ظلم من سائر الناس، فإنه يخاف فإنه تاب وبدل حسناً بعد سوء فإنِّي غفورٌ رحيمٌ.
والثاني : أنَّه متصلٌ(٣)، وللمفسرين فيه عبارات، قال الحسن : إنَّ موسى ظلم بقتل القبطي، ثم تاب فقال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي [ القصص : ٢٢ ].
وقال ابن جريح : قال الله لموسى(٤) : أخفتك لقتلك(٥) النفس، وقال : معنى الآية : لا يخيف الله الأنبياء إلاّ بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب(٦).
وقيل : محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل(٧). وقال بعض النحويين :«إلا » هاهنا بمعنى ولا، يعني : لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ [ البقرة : ١٥٠ ]. يعني ولا الذين ظلموا(٨). وعن الفراء أنه متصل، لكن من جملة محذوفة تقديره : وإنما يخاف غيرهم إلاَّ من ظلم(٩).
وردَّه النحاس : بأنه لو جاز هذا لجاز : لا أضربُ القوم إلاَّ زيداً أي : وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً، وهذا ضد البيان و(١٠) المجيء بما لا يعرف معناه(١١).
وقدره الزمخشري ب «لكن »(١٢)، وهي علامة على أنه منقطع - وذكر كلاماً طويلاً - فعلى الانقطاع يكون منصوباً فقط على لغة الحجاز، وعلى لغة تميم يجوز فيه النصب والرفع على البدل من الفاعل قبله، وأما على الاتصال : فيجوز فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيار البدل، لأن الكلام غير موجب.
وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم «أَلاَ » بفتح الهمزة وتخفيف اللام(١٣) - جعلاها حرف تنبيه - و «مَنْ » شرطية، وجوابها :«فَإِنِّي غَفُورٌ »(١٤) والعامة على تنوين «حُسْناً »، ومحمد بن عيسى الأصبهاني(١٥) غير منوّن(١٦)، جعله فعلى مصدراً كرجعى، فمنعها الصَّرف لألف التأنيث، وابن مقسم بضم الحاء والسين منوناً(١٧)، ومجاهد وأبو حيوة ورويت عن أبي عمرو بفتحهما(١٨)، وتقدم تحقيق القراءتين في البقرة(١٩).
٢ انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٢٠٠، مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٦، البيان ٢/٢١٩، التبيان ٢/١٠٠٥..
٣ انظر تفسير ابن عطية ١/١٧٥، البحر المحيط ٧/٥٧..
٤ لموسى: سقط من ب..
٥ في ب: بقتلك..
٦ انظر البغوي ٦/٢٦٢..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٤..
٨ قال ابن الأنباري: (وذهب الكوفيون إلى أن (إلا) بمعنى الواو، وليس بصحيح لاختلاف المعنى، لأن (إلا) تقتضي إخراج الثاني مما دخل فيه الأول، والواو تقتضي مشاركة الثاني للأول، فلا يقام أحدهما مقام الآخر) البيان ٢/٢١٩، وانظر البحر المحيط ٧/٥٧..
٩ قال الفراء: "والآخر أن تجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة، لأن المعنى: لا يخاف المرسلون إنما الخوف على غيرهم، ثم استثنى فقال: إلا من ظلم فإن هذا لا يخاف يقول: كان مشركاً فتاب وعمل صالحاً فذلك مغفور له ليس بخائف) المعاني ٢/٢٨٧..
١٠ و: سقط من ب..
١١ إعراب القرآن ٣/٢٠٠..
١٢ الكشاف ٣/١٣٤..
١٣ المختصر (١٠٨)، المحتسب ٢/١٣٦، تفسير ابن عطية ١١/١٧٧، البحر المحيط ٧/٥٧..
١٤ في ب: "إني غفور رحيم"..
١٥ تقدم..
١٦ البحر المحيط ٧/٥٧..
١٧ المرجع السابق..
١٨ المختصر (١٠٨)، البحر المحيط ٧/٥٧..
١٩ عند قوله تعالى: .. وقولوا للناس حسنا[البقرة: ٨٣]..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود