ثم استثنى استثناء منقطعاً، فقال إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية ثم بدل حسناً أي توبة وندماً بعد سوء أي بعد عمل سوء فإني غفور رحيم وقيل الاستثناء من مقدّر محذوف : أي لا يخاف لديّ المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلاّ من ظلم ثم بدل إلخ، كذا قال الفراء. قال النحاس : الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وروي عن الفراء أنه قال : إلاّ بمعنى الواو. وقيل إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف. والمعنى : إلاّ من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال : علم من عصى منهم فاستثناه فقال : إلا من ظلم وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود وإخوة يوسف وموسى بقتله القبطيّ. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، كان يقول :«وددت أني شجرة تعضد ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور ربّ العالمين في الشجرة وَمَنْ حَوْلَهَا يعني الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : كان الله في النور نودي من النور وَمَنْ حَوْلَهَا قال : الملائكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً قال : ناداه الله وهو في النور. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً أَن بُورِكَ مَن فِي النار قال : بوركت النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : في مصحف أبيّ بن كعب : بوركت النار ومن حولها ، أما النار فيزعمون أنها نور ربّ العالمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أَن بُورِكَ قال : قدّس. وأخرج عبد بن حميد وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» ثم قرأ أبو عبيدة أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وسبحان الله رَبّ العالمين . والحديث أصله مخرّج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له : أدخل يدك في جيبك فأدخلها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً قال : تكبرا وقد استيقنتها أنفسهم، وهذا من التقديم والتأخير.