ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

الفصل الثالث
الآية الثالثة :
" وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ".
الألفاظ والتراكيب :
( الحشر ) : الجمع من أماكن متفرقة.
( جنوده ) : هم المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده.
( يوزعون ) يكفون عن الخروج عن النظام في السير، فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون من الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشمال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى، وأعلاهم في ذلك الجن، ثم الإنس، ثم الطير.
وفاعل ( حشرهم ) الأعوان الحاشرون. وفاعل ( وزع ) هم الضباط المنظمون.
المعنى :
تشريفة :
كان لسليمان – عليه الصلاة والسلام – من الجن والإنس والطير جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين، فإذا عرض أمر جمعهم.
وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم.
فأراد سليمان أن يسافر، فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام، يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام.
تفصيل :
من خصوصيات سليمان :
كما أن للإنس من يعرفهم من أعوان سليمان، ومن ينظمهم من رؤسائهم كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير.
و سلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له، وخصوصية ملك لم ينبغ لأحد من بعده ! !
الجندية في ملك سليمان :
تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان.
فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة.
وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة.
وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة.
وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم.
وكان النظام محكما لضبط تلك الكثرة ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى.
عبرة في النظام والقوة :
تعرض علينا الآية هذه الصورة التاريخية الواقعية تعليما لنا، وتربية على الجندية المضبوطة المنظمة.
ولا شك أن الخلفاء الأولين قد علموا على ذلك في تنظيم جيوشهم، إن مثل هذه الآية كان له الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما أسلموا. فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة مما لم يكن معروفا عندهم في الجاهلية.
وبقيت الآية على الدهر مذكرة لنا ؛ بأن النظام أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوة والكثرة وحدهما لا تغنيان بدون نظام، وأن النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم الوازعون.
طبيعة وشريعة :
ترتيب الوظائف وتخطيطها :
في عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان نجد الطبيعة – بصنع الله – تستخلص الأعلى من الأدنى، والأقوى من الأضعف، فتجد الممتاز من أصل الخلق وبانتخاب الطبيعة في هذه العوالم الثلاث، كما تجد الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في النجم والشجر، وتجد الملكة من النمل والنحل مثلا.
فالإنسان لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي :
ففيه الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع الإنساني في صلاح حاله ومآله.
ومنهم الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه ومجتمعاته وجماعاته ؛ فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون، والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنساني ومقررات الشرع الإسلامي، مثل ما في هذه الآية من أمر الوازعين.
ولما ولي الحسن البصري القضاء قال :
لابد للسلطان من وزعة أي عوان يكفون الناس عن الشر والفساد، ويتولون تربيتهم وتنظيمهم.
وفي رواية :
لابد للناس من وازع أي كاف يكف بعضهم عن بعض، وهو الحاكم وأعوانه.
وفي حديث – ذكره أهل الغريب : من يزع السلطان وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعد والوعيد في القرآن.
وقد قال الله تعالى :
" وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس " ١.

١ سورة الحديد، الآية ٢٥. وأول الآية الكريمة: " لقد أرسلنا رسلنا يالبينات " ويلاحظ القارئ إنزال الكتاب للعدل والقسط. وإنزال الحديد لتعمير الدنيا فعبر بأنزلنا في الموضعين؛ لأن الإسلام للدنيا والآخرة والدنيا مزرعة للآخرة. وختمت الآية بقوله تعالى: " إن الله قوي عزيز "..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير