ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

ثم يقول الحق سبحانه :
وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ١٧
حشروا : جمعوا من كل مكان، ومنه قوله تعالى : وابعث في المدائن حاشرين ٣٦ ( الشعراء ) والحشر : جمع الناس للحساب يوم القيامة.
وسمي الحشر جمعا ؛ لأنك تجمع الناس من أماكن متفرقة في مكان واحد، حتى يضيق بعهم ويزدحم، وهذا معنى الحشر المتعارف عليه عندنا، نقول : نحشرهم على بعض.
ومعنى فهم يوزعون ١٧ ( النمل ) يعني : يمنعون، ومنه قوله " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " يعني : أن السلطان والقوة والبطش تمنع ما لا يستطيع القرآن منعه ؛ ذلك لأنهم يستبعدون القيامة والعذاب، أما السلطان فرادع حاضر الآن.
لكن، مم يمنعون وهم في موقف الحشر أمام سليمان ؟ قالوا١ : يمنعون أن يسبق بعضهم بعضا إلى سليمان، إنما نمنعهم حتى يأتي المتأخر منهم، ويدخلون جميعا عليه مرة واحدة، وفي ذلك إحداث توازن بين الرعية كلها.
وقد حدثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته إذا جلس في مجلس توزعت نظراته وعينه على كل الجالسين حتى يسوي بينهم، ولا ينظر لأحد أكثر من الآخر٢، ولا يميز أحدا منهم على أحد، حتى لا يظن أحدهم أن النبي فضله على غيره.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يقرب إلا أهل الفضل والتقوى الذي يعرف منهم أنهم لا يستغلون هذه المكانة لنيل سلطة بين الناس ؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يوطن الأماكن وينهي عن ذلك٣ على خلاف ما نراه الآن من بعض المصلين الذين يضعون سجادة مثلا في الصف الأول يشغلون بها المكان، ثم يذهب ويقضي حاجاته، ويعود وقد امتلأ المسجد فيتخطى رقاب الناس ليصل إلى مكان في المقدمة، وهو ليس مكانه عند الله.
فالله تعالى قد وزع الأماكن على حسب الورود، فإتيانك إلى بيت الله أولا يعطيك ثواب الصف الأول، وإن صليت في الصف الأخير، وعدم توطين الأماكن ينشر الألفة بين الناس، ويزيل الفوارق ويساعد على التعارف، فكل صلاة أنت بجانب شخص جديد تتعرف عليه وتعرف أحواله.
لكن في ضوء هذا المعنى لمادة ( وزع ) كيف نفهم قوله تعالى : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي... ١٩ ( النمل )
أوزعني هنا يعني : أقدرني وامنعني من الغفلة عن نعمتك، لأظل شاكرا لك.

١ قاله ابن عباس بنحوه: جعل على كل صنف منمهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك. أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/٣٤٧) وعزاه لابن جرير الطبري..
٢ من أدب النبوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يأخذ بيده فينزع يده حتى يكون الرجل الذي يرسله ولم يكن يرى ركبتيه أو ركبته خارجا عن ركبة جليسه، ولم يكن أحد يصافحه إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه. رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناد الطبراني حسن. مجمع الزوائد للهيثمي (٩/١٥)..
٣ أخرج أحمد في مسنده(٥/٤٤٧)، وابن ماجه في سننه (١٤٢٩)، وأبو داود في سننه(٨٦٢) من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير "أما الإمام أحمد فقد أخرجه من حديث أبي سلمة الأنصاري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير