ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

قوله : الذين يُقيمُونَ الصلاة يجوز أن يكون مجرور المحل، نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً أو بياناً، أو منصوبة عل المدح، أو مرفوعة على تقدير مبتدأ، أي : هم الذين، والمراد بها : الصلوات الخمس، وكذا القول في الزكاة، فإنها هي الواجبة، لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك. وإقامة الصلاة أن يؤديها بشرائطها، والزكاة بوضعها في مواضعها١.
قوله : وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ «هم » الثاني تكرير للأول على سبيل التوكيد اللفظي، وفهم الزمخشري منه الحصر، أي : لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء، المتصفون بهذه الصفات. ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية، وكرر فيها المبتدأ الذي هو «هم » حتى صار معناها : وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق٢.
و «بالآخِرَةِ » متعلق ب «يوقنون »، ولا يضر الفصل بينهما بالتوكيد.
وهذه الجملة يحتمل أن تكون معطوفة على الصلة، داخلة في حيز الموصول، وحينئذ يكون قد غاير بين الصِّلتين لمعنى، وهو أنه لما كان إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرَّر ويتجدَّد بالصلتين جملة فعلية، فقال :«يُقِيمُونَ »، وَ «يُؤْتُونَ ».
ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى بالصلة جملة اسمية، مكرراً فيها المسند إليه، مقدماً الموقن به، الدال على الاختصاص، ليدل على الثبات والاستقرار، وجاء بخبر المبتدأ في هذه الجملة فعلاً مضارعاً، دلالة على أن ذلك متجدد كل وقت، غير منقطع٣. ويحتمل أن تكون مستأنفة غير داخلة في حيز الموصول٤. قال الزمخشري : ويحتمل أن تتم الصلة عنده، أي : عند قوله :«وَهُمْ »، قال : وتكون الجملة اعتراضية٥.
يريد أن الصلة تمت عند الزكاة، فيجوز فيه٦ ذلك، وإلا فكيف يصح - إذا أخذنا بظاهر كلامه - أن الصلة تمت عند قوله٧ :«وَهُمْ »٨ وتسمية هذا اعتراضاً : يعني من حيث المعنى وسياق الكلام، وإلا فالاعتراض في الاصطلاح : إنما يكون بين متلازمين من مبتدأ أو خبر، وشرط وجزاء، وقسم وجوابه، وتابع ومتبوع، وصلة وموصول، وليس هنا شيء من ذلك.
فإن قيل : إن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما وجه ذكره مرة أخرى ؟.
فالجواب من وجهين :
الأول٩ : أن الذي يستفاد منه طرق للنجاة هو معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، والعمل الصالح، وأشرفه الطاعة بالنفس والطاعة بالمال، فقوله :«لِلْمُؤْمِنِينَ »، أي١٠ : الذين يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ وهو إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله١١ :( الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة ، إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله : وَهُم )١٢ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ إشارة إلى علم المعاد، فكأنه تعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً، وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً١٣ بينهما.
الثاني : أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكاً فيه، إلا أنه يأتي بهذه الطاعة احتياطاً، فيقول : إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها١٤ لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة، فمن أتى بالصلاة والزكاة على هذا الوجه، لم يكن في الحقيقة مهتدياً بالقرآن، ( وأما من كان جازماً بالآخرة كان مهدياً به )١٥. فلهذا ذكر هذا القيد١٦.

١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٧٨..
٢ انظر الكشاف ٣/١٣٢..
٣ انظر البحر المحيط ٧/٥٣٢..
٤ المرجع السابق..
٥ الكشاف ٣/١٣٢..
٦ في النسختين: في. والصواب ما أثبته..
٧ عند قوله: سقط من ب..
٨ اعترض أبو حيان على الزمخشري تسميته مثل هذا اعتراضا، ووجه ابن عادل ذلك بأنه إنما يعني الاعتراض من ناحية المعنى. انظر البحر المحيط ٧/٥٣..
٩ الأول: سقط من ب..
١٠ أي: سقط من ب..
١١ في ب: قوله..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ في ب: متوسطة..
١٤ فيها: سقط من ب..
١٥ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٧٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية