ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

المؤمنون هم أصحاب عقيدة الإيمان، وهو أن تؤمن بقضية الحق الواحد الإله المختار الفاعل الذي له صفات الكمال، تؤمن بها حتى تصير عقيدة في نفسك ثابتة لا تتزعزع، والإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، فلا يكفي النطق باللسان، إنما لا بد من أداء تكاليف الإيمان ومطلوباته، وقمتها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، والحج.
فالصلاة دعوة من الله لخلقه، دعوة من الصانع للمصنوع، فربك يستدعيك إلى حضرته، وكيف بالصنعة إذا عرضت على صانعها كل يوم خمس مرات، ومع ذلك نرى من يقدم العمل على الصلاة، وإذا سمع النداء قال عندي أعمال ومشاغل، إياك أن تظن أن الصلاة تعطيل للمصالح، أو إضاعة للوقت ؛ لأنك في حركة حياتك مع نعم الله وفي الصلاة مع الله.
ونقيس هذه المسألة –ولله المثل الأعلى- لو أن أباك ناداك فلم تجبه، ماذا يفعل بك ؟ فلا يكن ربك أهون عليك من أبيك، ربك يناديك : الله أكبر يعني : أكبر من العمل، وأكبر من كل شيء يشغلك عن تلبية ندائه.
وفي الصلاة نأخذ شحنة إيمانية تقوينا على حركة حياتنا، كما لو ذهبنا ببطارية السيارة مثلا لجهاز الشحن أتقول : إنك عطلت البطارية ؟.
ولو حسبنا الوقت الذي تستغرقه الصلوات الخمس لوجدناه لا يتعدى ساعة من الأربع والعشرين ساعة، فلا تضن على نفسك بها لتلتقي بربك، وتقف بين يديه، وتعرض نفسك عليه، فيصلح فيك ما أفسدته حركة الحياة ويعطيك المدد والعون والشحنة الإيمانية التي تدفعك إلى حركة منسجمة مع الحياة والكون من حولك.
وإن كان مهندس الآلة يصلحها بشيء مادي، فربك- عز وجل- غيب، فيصلحك بالغيب، ومن حيث لا تدري أنت، لذلك كانت الصلاة في قمة مطلوبات الإيمان.
فإن كانت الصلاة لإصلاح النفس، فالزكاة لإصلاح المال ؛ لذلك تجد دائما أن الصلاة مقرونة بالزكاة في معظم الآيات، وإن كان المال نتيجة العمل، والعمل فرع الوقت، فإن الصلاة تأخذ الوقت، والزكاة تأخذ نتيجة الوقت، الزكاة تأخذ ٢، ٥% أما الصلاة فتأخذ الوقت نفسه يعني بنسبة ١٠٠%.
ومع ذلك لا نقول : إن الصلاة أضاعت الوقت، لأن الشحنة التي تأخذها في الصلاة تجعلك تنجز العمل الذي يستغرق عدة ساعات في نصف ساعة، فتعطيك بركة في الوقت.
وسبق أن قلنا : إن نداء الله أكبر يعني : أن لقاء الله أكبر من أي شيء يشغلك مهما رأيته كبيرا ؛ لأنه سبحانه واهب البركة، وواهب الطاقة، وإن كان العمل والسعي في مناكب الأرض مطلوبا، لكن الصلاة في وقتها أولى.
وحين نتأمل أطول الأوقات بين كل صلاتين نجد أنها من الصبح حتى الظهر، وهو الوقت المناسب للعمل، ومن العشاء حتى الصبح، وهو الوقت المناسب للنوم، وهكذا تنظم لنا الصلاة حياتنا، فمن صلاة الصبح إلى صلاة الظهر سبع ساعات هي ساعات العمل.
لو أن الأمة الإسلامية تمسكت بشرعها ومنهج ربها، وبعد هذه الساعات السبع التي تقضيها في عملك، أنت حر بعد صلاة الظهر، أما التخصيص الذي طرأ على حركة الحياة فقد اقتضى أن يأتي صلاة الظهر بل والعصر والناس ما يزالون في أعمالهم.
أما الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها بحجة امتداد الوقت بين الصلاتين، نعم الوقت ممتد، لكن لا يجوز ك تأخير الصلاة، ولبيان هذه المسألة نقول : هب أن غنيا مستطيع للحج، ولم يحج متى يأثم ؟
يأثم إذا ما غره طول الأمل، ثم عالجه الموت قبل أن يحج، فإن أمهله العمر حتى يحج، فقد سقط عنه هذا الفرض، لكن من يضمن له بالبقاء إلى أن يؤدي هذه الفريضة.
لذلك ورد في الحديث :" حجوا قبل ألا تحجوا " ١.
كذلك الحال في وقت الصلاة، فهو ممتد، لكن من يضمن لك امتداده ؛ لذلك تارك الصلاة يأثم في آخر لحظة من حياته، فإن ظل إلى أن يصلى فلا شيء عليه.
إذن : لا تتعلل بطول الوقت ؛ لأن طول الوقت جعله الله لحكمة، لا لنأخذه ذريعة لتأخير الصلاة عن وقتها، طول الوقت بين الصلوات جعل للنائم كي يستيقظ، أو للناسي كي يتذكر.
ثم يقول سبحانه وهم بالآخرة هم يوقنون٣ ( النمل ).
فالآية جمعت أمر المؤمن كله، بداية من العقيدة والإيمان بالله، ثم الصلاة، فالزكاة وهما المطلبان العمليان بين إيمانين : الإيمان الأول بالله، والآخر أن يؤمن بالآخرة وبالجزاء والمرجع والمصير.
وقوله يوقنون٣ ( النمل ) الإيقان : الحكم بثبات الشيء بدون توهم شك ؛ لذلك قلنا : إن العلم أن تعرف قضية واقعة وتقول، إنها صدق وتدلل عليها.
وقلنا : إن اليقين درجات : علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فمثلا حين أقول لك : إنني رأيت في أحد البلاد أصبع الموز نصف متر، وأن تثق بي ولا تكذبني، فهذا علم اليقين، فإن رأيته، فهذا عين اليقين، فإن أخذته وذهبت تقطعه مثلا، وتوزعه على الحاضرين فهذا حق اليقين. وهذه الدرجة لا يمكن أن يتسرب إليها شك.
لذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الحارث بن مالك الأنصاري : " كيف أصبحت " ؟ قال : أصبحت بالله مؤمنا حقا، قال " فإن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ " قال : عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها ٢، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " عرفت فالزم " ٣.
والإمام علي- رضي الله عنه- يعطينا صفة اليقين في قوله : لو كشف عني الحجاب ما ازددت يقينا ؛ لأني صدقت بما قال الله، وليست عيني أصدق عندي من الله.
ومن هذا اليقين ما ذكرنا في قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل١ ( الفيل ) مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في هذا العام، فلم ير هذه الحادثة، فالمعنى : ألم تر، وعدل عن( تعلم ) إلى ( ترى ) ليقول للنبي صلى الله عليه وسلم أن إخبار الله لك أقوى صدقا من رؤية عينيك.

١ أخرجه الحاكم في"مستدركه على الصحيحين"(١/٤٤٨) من حديث الحارث بن سويد رضي الله عنه..
٢ المدر: قطع الطين اليابس، وهو الطين المتماسك.(لسان العرب- مادة: مدر)..
٣ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد(١/٥٧) وعزاه الطبراني في المجمع الكبير وقال:"فيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير