ﮯﮰﮱﯓﯔ

قوله :«أَلاَّ تَعْلوا » فيه أوجه :
أحدها : أن «أَنْ » مفسرة كما تقدم في أحد الأوجه في «أَنْ » قبلها في قراءة عكرمة١، ولم يذكر الزمخشري غيره٢، وهو وجه حسن، لما في ذلك من المشاكلة٣، وهو عطف الأمر عليه، وهو قوله :«وَأْتُونِي »٤.
الثاني : أنها مصدرية في محل رفع بدلاً من «كِتَاب »، كأنّه قيل : ألقي إليَّ أن لا تعلُوا عَلَيَّ٥.
الثالث : أنها في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أي هو أن لا تعلوا٦.
الرابع : أنها على إسقاط الخافض، أي : بأن لا تعلوا٧، فيجيء في موضعها القولان المشهوران٨.
والظاهر أن «لا » في هذه الأوجه الثلاثة للنهي، وقد تقدّم أن «أَنْ » المصدرية توصل بالمتصرف٩ مطلقاً. وقال أبو حيان : و «أَنْ » في قوله : أَن لاَّ تَعْلُواْ في موضع رفع١٠ على البدل من «كتاب »، وقيل في موضع نصب على : بأَنْ لاَّ تَعْلُوا ، وعلى هذين التقديرين تكون «أن » ناصبة للفعل١١. فظاهر هذا أنّها نافية، إذ لا يتصور أن تكون ناهية بعد «أن » الناصبة للمضارع، ويؤيّد هذا ما حكاه عن الزمخشري، فإنّه قال : وقال الزمخشري : و «أن » في أن لا تَعْلُوا مفسرة١٢، قال : فَعَلَى هذا تكون «لا » في :«لاَ تَعْلُوا » للنهي، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه١٣ فقوله :«فعلى هذا » : إلى آخره صريح بأنّها على غير هذا يعني الوجهين المتقدمين ليس للنهي فيهما١٤، ثم القول بأنّها للنفي لا يظهر، إذ يصير المعنى - على الإخبار منه عليه السلام - بأنّهم لا يعلون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنّما المقصود أن ينهاهم عن ذلك.
وقرأ ابن عباس والعقيلي :«تغلوا » - بالغين المعجمة١٥، من الغلو، وهو مجاوزة الحد.

فصل :


قال ابن عباس :«لا تتكبروا عليَّ »١٦، وقيل : لا تتعظموا ولا ترتفعوا عليَّ أي : لا تمتنعوا من الإجابة، فإنّ ترك الإجابة من العلوّ والتكبر، «وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ » : مؤمنين طائعين١٧، قيل : هو من الإسلام١٨، وقيل : من الاستسلام١٩. فإنْ قيل : النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد.
فالجواب : معاذ الله أن يكون هناك تقليد ؛ وذلك لأنّ رسول سليمان إلى بلقيس الهدهد، ورسالة الهدهد معجزة، والمعجزة تدل على وجود الصانع وصفاته، وتدل على صدق المُدَّعِي للرسالة، فلمَّا كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة، لا جرم لم يذكر في الكتاب دليل آخر٢٠.
١ في قوله تعالى: إنه من سليمان وإنه من الآية ٣٠ من السورة نفسها؛ بفتح الهمزتين..
٢ قال الزمخشري: (و "أن" في "ألا تعلوا" مفسرة أيضا) الكشاف ٣/١٤١، وانظر البيان ٢/٢٢٢، التبيان ٢/١٠٠٨..
٣ في ب: من المشاكلة كلمة..
٤ انظر البحر المحيط ٧/٧٢..
٥ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٩١، مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٨، البيان ٢/٢٢٢..
٦ قال أبو البقاء: (موضعه رفع بدلا من "كتاب"، أي: هو ألا تعلوا) التبيان ٢/١٠٠٨..
٧ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٨، البيان ٢/٢٢١..
٨ وهما إما أن يكون في موضع نص وذلك عند الخليل وأكثر النحويين، وجر عند الكسائي، وجوز سيبويه أن يكون المحل جراً، وتقدم الحديث عنهما عند قوله تعالى: وإن هذه أمتكم أمةً واحدةً[المؤمنون: ٥٢]..
٩ في ب: بالتصرف..
١٠ رفع: سقط من ب..
١١ البحر المحيط ٧/٧٢..
١٢ الكشاف ٣/١٤١..
١٣ البحر المحيط ٧/٧٢..
١٤ في ب: فيها..
١٥ المختصر (١٠٩)، المحتسب ٢/١٣٩، البحر المحيط ٧/٧٢..
١٦ انظر البغوي ٦/٢٧٧..
١٧ انظر البغوي ٦/٢٧٧..
١٨ انظر البغوي ٦/٢٧٧..
١٩ انظر البغوي ٦/٢٧٧..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٩٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية