ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ ﮯﮰﮱﯓﯔ

أَمْ كُنتَ معناه أم أنت، لأن سليمان لم يرد أنه ينظر أن كان فيما مضى من الزمان من الكاذبين، إنما أراد إن كان هو في حاله ذلك الوقت من الكاذبين. ومثله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠].
قال: اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ، أي قال سليمان للهدهد: اذهب بكتابي إليهم فألقه إليهم، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ، أي منصرفاً، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
وقيل: الكلام على بابه لا تقديم فيه، وانظر فيما انتظر أي فألقه إليهم فانتظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
قال ابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها، واستبطأت الشمس فقامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حين قامت تنظر إلى الشمس. فهذا التفسير يدل على أنه نظر إليها ماذا ترجع قبل إلقائه الصحيفة، ثم

صفحة رقم 5402

ألقاها ورجع إلى سليمان.
وقيل: المعنى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ قريباً منهم فانظر ماذا يرجعون؟ ودل على هذا سماع الهدهد قولها لأهل مملكتها بعد إلقائه الكتاب إليهت، وهذا القول هو اختيار الطبري.
واختار الزجاج القول الأول أن يكون على التقديم والتأخير. ثم قال: قَالَتْ يا أيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، في الآية اختصار وحذف، والتقدير فذهب الهدهد بكتاب سليمان فألقاه إليها، فلما قرأته قالت: يا أيها الملأ: تريد أشراف قومها.
قال ابن عباس: كتب سليمان إليها بسم الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة اليشرح الحميرية: أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، أي لا تتعظموا عن طاعتي وأتوني مسلمين فذهب الهدهد بالكتاب فانتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها، وقد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء،

صفحة رقم 5403

والحرس حول قصرها. وكان لها من قومها اثنى عشر ألف مقاتل، كان كل رجل منهم على مائة ألف سوى نسائهم وذراريهم. وكانت تخرج إلى قومها فتقضي بينهم في أمورهم، وحوائجهم، في كل جمعة يوماً قد جعلت على عرشها أربعة أعمدة من ذهب، ثم جعلت عليه حريرة تجلس خلفها فهي تراهم ولا يرونها، فإذا أراد الرجل منهم قام بين يديها فنكس رأسه ولا ينظر إليها، ثم يسجد ولا يرفع رأسه حتى تأذن له إعظاماً لها. فإذا قضت حوائجهم أمرت بأمرها ودخلت قصرها فلم يورها إلى مثل ذلك اليوم. وكان ملكها ملكاً عظيماً، فلما أتاها الهدهد بالكتاب، وجد الأبواب قد غلقت دونها والحرس حوالي قصرها، فدار الهدهد حوالي القصر يطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر فدخل منها إلى بيت ثم مر من بيت إلى بيت حتى انتهى إليها في أقصى سبعة أبواب على عرشها مستلقية،

صفحة رقم 5404

نائمة ليس عليها إلا خرقة على عورتها وكذلك كانت تصنع إذا نامت، فوضع الكتاب إلى جنبها على العرش ثم تولى فوقع في كوة ينتظرها حتى تقرأ الكتاب فمكث طويلاً لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط، فنقرها نقرة فاستيقظت، فبصرت بالكتاب إلى جنبها على السرير فأخذته وفزعت، وجعلت تنظر ما حال الكتاب، وكيف وصل الكتاب إليها فإذا الأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حوالي القصر، فقالت هل رأيتم أحداً دخل علي أو فتح باباً؟ قالوا: لا، أما رأيت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حوالي القصر، ففتحت الكتاب، وكان مطبوعاً فقرأته ولم تشك أنه من السماء سقط عليها فأرسلت إلى قومها وشاورتهم كما قص الله علينا في كتابه.
قال وهب بن منبه: كتب سليمان مع الهدهد بِسْمِ الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن داود إلى بلقيس وقومها: أما بعد، فلا تعلوا

صفحة رقم 5405

علي وأتوني مسلمين. فأخذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كوة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوة فسدّها بجناحه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم من ألقى الكتاب من الكوة فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخذته.
وقال قتادة: كان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر، كل رجل منهم على عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام. ومعنى وصفها للكتاب بالكريم أنه كان مطبوعاً.
وقيل: وصفته بذلك لحسن ما فيه واختصاره.
وقوله: أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ، أي لا تتكبروا علي، ولا تتجبروا علي، وأتوني مذعينين مستسلمين. وقال: إنما وصفته بالكريم على معنى كتاب من رجل كريم، رفيع القدر يطيعه الجن، والإنس والطير. لأنها كانت قد سمعت بخبر سليمان، فلما رأت اسمه في الكتاب عرفته، وعرفت قدر ملكه، وأخبرتهم أنه من سليمان وأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم.

صفحة رقم 5406

وهذه جملة من علل بسم الله الرحمن الرحيم: فمن ذلك ما روي عن عيسى ﷺ: أنه قعد بين يدي مؤدب، فقال له المؤدب قل: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال عيسى وما بسم الله. فقال المؤدب: لا أدري؟ فقال عيسى: الباء: بهاء الله / والسين سناء الله، والميم ملكه. وكذلك قال الحسن إلا أنه قال: والميم مجده. والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ بسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلاً يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت بسم الله: أضمرت أقوم بسم الله، وإذا أردت القعود قدّرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه.
وقيل: إن الاضمار في جميع ذلك أبداً وهو أحسن عند الحذاق، وإنما حذف الفعل ولم يذكر إيجازاً واختصاراً، إذ ما بقي من الكلام يدل عليه، وهذا

صفحة رقم 5407

الحذف كثير في الكلام، وإنما اختيرت الباء لأنها للإلصاق، وأنت تحتاج أن تلصق ابتداءك بالتسمية، فجئت بالباء لأنه موضعها، وإنما سميت الباء، ومن وعن وشبهها بحروف الجر لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء: تقول: مررت بزيد وانتهيت إلى عمرو.
فلولا الحروف ما انجرت الأفعال إلى الأسماء. وإنما خفضت هذه الحروف الأسماء لأن معناها الإضافة، تضيف فعلاً إلى اسم، أو معنى إلى اسم. كقولك: مررت بزيد، وعمرو كزيد. وإنما كسرت الباء. لتكون حركتها مثل عملها؛ هذا قول الجرمي. ولم تكسر الكاف لتفرق بين ما يكون حرفاً واسماً، وبين ما لا يكون إلا حرفاً، وإنما عملت الخفض لأنها لا معنى لها في الأفعال فلزمت الأسماء، فلما لزمت الأسماء عملت إعراباً لا يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وقد فتحوا لام الجر مع المضمر.
ردت إلى أصلها لأنها إنما كسرت مع المضمر ليفرق بينها وبين لام

صفحة رقم 5408

التأكيد، وتركت الباء على كسرها مع المضمر إذ ليس فيها علة توجب فتحها، وكسرت لام كي لأنها هي لام الجر بعينها، وكسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام التأكيد، والفرق بين لام الجر، ولام الأمر وكلاهما مكسور، أن لام الجر لا تدخل على الأفعال ولام الأمر لا تدخل على الأسماء، فعملت لام الجر إعراباً لا يكون إلا في الأسماء للزومها الأفعال وهو الجزم. وأصل هذه الحروف كلها الفتح، كواو العطف، وفائه، وألف الاستفهام. وكانت في الأصل لا حركة لها ولم يمكن الابتداء بساكن فلم يكن بد من حركة فأعطيت أخفّ الحركات وهي الفتحة، وإذا قلت: بسم الله فهو الله في المعنى كما قال لبيد:

صفحة رقم 5409

إلى الحلول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
يريد ثم السلام عليكم فرفع اسماً بالابتداء لما قدمه ولم يعمل فيه الإغراء لأنه متأخر لا يتقدم عليه معموله، ومثله قول الشاعر:
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
أي هذا دلوي، ويجوز النصب بإضمار فعل تقديره: ثم الزم اسم السلام. وحذفت الألف من بسم لأن الباء كفت منها، فوصلت اللسان إلى النطق بالسين.
وكان الخليل يسمي ألف الوصل سلم اللسان، وحذفت من الخط لكثرة الاستعمال، هذا مذهب الجرمي، والمبرد، والكسائي والفراء. وقال الاخفش: حذفت

صفحة رقم 5410

من الخط لما وصلت إلى السين بالباء فألزمه الفراء أن تحذف الألف من الخط في قولهم: فاضرب واضرب ولا يحسن حذف هذا.
وقال الكسائي: في قوله: بِسْمِ الله مجراها [هود: ٤١] إن شئت أثبت الألف في الخط وإن شئت حذفتها. وإنما دخلت ألف الوصل الأسماء، وحقها أن تدخل على الأفعال على التشبيه بالأفعال، كما أضافوا إلى الأفعال وليس بابها أن يضاف إليها على التشبيه أيضاً بالأسماء.
وقيل: إنما دخلت هذه الأسماء اللف لأنهم لما حذفوا من أواخرها أرادوا العوض من المحذوف، فلم يمكن أن يعوضوا منه آخراً، فعوضوا منه أولاً، وسكنوا السين ليسوغ دخول الألف، والعوض في كلام العرب كثير ألا ترى أنهم يقولون: زنادقة وزناديق.
فيعوضون الياء من الهاء، وإنما حذفوا من هذه الأسماء

صفحة رقم 5411

لأن آخرها / حرف علة ياء، أو واو، وقد كان يجب أن ينقلبا ألفا غذ هما ظرفان، فكان الحذف أخف من الإعلال والإقلاب، فلما حذف من آخرها حرف أشبهت الأفعال، لأن الحذف أكثر ما يكون في الأفعال نحو: لم أبل ولا أدر فلما ضارع الاسم الفعل في باب الحذف آخراً ضارعه في باب الزيادة أولاً فدخلته ألف الوصل، ولم يمكن أن تدخل على متحرك فسكن أوله، وهذا قول حكي عن الخليل.
والمحذوف من اسم عند البصريين واو وأصله سمو على مثال قنو، دليله قولهم: أسماء كأقناء وكذلك أب وأخ. المحذوف منهما واو يدل على ذلك قولهم: الأبوة والأخوة. وقولهم: أبوان وأخوان. وقد كان يجب أن تدخل ألف الوصل على أب، وأخ على ما قدمنا من العلة إلا أنه لما كان في أول أب وأخ همزة ثقل دخول همزة أخرى عليها، والعرب تستثقل الجمع بين همزتين في كلمتين ولا تجيزه في كلمة إلا بالتخفيف، فتركوا ما يستثقلون.

صفحة رقم 5412

واسم مشتق من السمو.
وقيل: من السمة.
وقيل: هو أمر من قولك اسم فلاناً أي أعله وكذلك ابن أصله الأمر من قولك: ابن البناء يا رجل. وقول ما قال: هو من السمة. قول صحيح في المعنى لأن صاحبه يعرف به كالسمة في البعير يعرف بها، لكنه غير جائز في الاشتقاق، والأصمول، وذلك أنه ليس في كلام العرب مصدر فعل معتل فاؤه واو تدخله ألف الوصل، فيكون هذا مثله، ألا ترى أنك لا تجد مثل أعد وأزن في وعد ووزن وأيضاً فإنه يجب أن يقال في تصغيره وسيم كما تقول في تصغير عدة وعيدة وذلك لا يقال.
وقولك: بسم في موضع نصب عند الكوفيين فبين لأن التقدير أُبدأ بسم.

صفحة رقم 5413

وقال البصريون: موضعه رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير أول ابتداء بسم الله، وقد أجاز النحويون: ابتدأت ببسم الله فأدخلوا الباء على الباء، وليس هذا بجائز في غيره، وإنما ذلك، لأن هذه الباء لما لزمت الاسم ولم تفارقه، وكثر الاستعمال بها صارت كأحد حروف الاسم، فدخلت عليها الباء كما تدخل على سائر الأسماء، وإنما خصت الألف بالزيادة والتعويض من المحذوف في اسم لأن أولى الحروف بالزيادة من حروف المعجم الياء والواو والألف، وهنا حروف المد واللين، ولا يكون الإعراب إلا بواحد منها، أو بحركة هي منها.
قالوا: ولا تزاد أولاً، وكذلك الياء، فزادوا ألفاً، والألف لا تكون إلا ساكنة وبعدها السين ساكنة فكسرت الألف لالتقاء الساكنين وإنما سميت الهمزة ألفاً لأن صورتهما واحدة، ولأن الألف تبدل من الهمزة في يأكل ويأتي، والهمزة تبدل من الألف في رسائل وقلائد، وإنما ردت ألف الوصل في قولك امرئ وهو غير محذوف الآخر لأن آخره وهو الهمزة لا تثبت على حال يكون في الرفع واواً، وفي النصب

صفحة رقم 5414

ألفاً، وفي الخفض ياء، فضعف فصار بمنزلة المحذوف فزيدت الألف في أوله لضعف الآخر.
وقال المبرد: لما كان امرؤ لا يقوم بنفسه حتى يضيفه إلى غيره. فتقول هذا امرؤ سوء، وشبه الأفعال إذ كانت لا تقوم بنفسها ولا بد لها من فاعل فدخلته ألف الوصل لذلك، وإنما لقبت هذه الألف بألف وصل عند الكوفيين لأنها تذهب في الوصل فلقبت بضد حالها كما سمي اللذيع سليماً، والمخافة مفازة. وقيل: سميت ألف وصل لأنها تصل الكلام الذي قبلها بالذي بعدها ويستغنى عنها. وهذا القول هو القول الأولى في المعنى.
وقال البصريون: لقبت ألف وصل: لأنه يوصل بها إلى الساكن الذي بعدها.
وحكي عن الخليل: أنه كان يسمي ألف الوصل: سلم اللسان.

صفحة رقم 5415

الهداية الى بلوغ النهاية

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الناشر مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
سنة النشر 1429
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية