ثم يقول الحق سبحانه :
قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ٣٤ :
وتعرض بلقيس رأيها إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها... ٣٤ ( النمل )، ذلك لأنهم يريدون ملكا، فينهبون كل ما يمرون به بل ويخربون ويفسدون لماذا ؟ لأنهم ساعة يصل الملك المغير لا يضمن النصر ؛ لذلك يخرب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور قد استقرت له يحافظ على الأشياء ولا يخربها.
وجعلوا أعزة أهلها أذلة.... ٣٤ ( النمل ) لأن الملك يقوم على أنقاض ملك قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول من يبدأ بهم ؛ لأن الأمر أخذ من أيديهم، وسوف يسعون لاستعادته، ولا بد أن يكون عندهم غيط ولدد في الخصومة.
أما قوله تعالى : وكذلك يفعلون ٣٤ ( النمل ) فللعماء فيه كلام : قالوا١ إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها السابق، لكن ماذا يضيف وكذلك يفعلون٣٤ ( النمل ) بعد أن قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة... ٣٤ ( النمل ).
فالرأي الصواب أن هذه العبارة من الحق٢ - سبحانه وتعالى- ليصدق على كلامها، وأنها أصابت في رأيها، كذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية، مما يدل على أن الحق سبحانه رب الخلق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه.
٢ قاله ابن عباس، قال: هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. نقله القرطبي في تفسيره(٧/٥٠٧٨)، وذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٥٧) وعزاه لابن أبي حاتم..
تفسير الشعراوي
الشعراوي