ذلك قوله تعالى : فلما جاء سليمانَ أي : جاء رسولها المنذرُ بن عمرو إليه قال أتمدُّونَنِ بمالٍ ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. فما آتانيَ الله من النبوة والمُلك الذي لا غاية وراءه خير مما آتاكم أي : من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقْعَ لها عندي، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه المقالة. . . إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحُقّ وغيرها، لا أنه عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه.
ثم قال لهم : بل أنتم بهديتِكم تفرحون . الهدية : اسم للمُهدَى، كما أن العطية اسم للمُعطَى، فتضاف إلى المُهْدِي والمهدَى له. والمعنى : أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يُمد بمال من قِبلكم ؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويُهدى إليكم ؛ لأنَّ ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل : أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي