ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

ترد هذ الإشارة إلى داود، وهذه القصة عن سليمان بعد تلك الحلقة من قصة موسى - عليهم السلام - وهم من أنبياء بني إسرائيل، في السورة التي تبدأ بالحديث عن القرآن ؛ ويجيء فيها :( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل : أكثر الذي هم فيه يختلفون )..
وقصة سليمان - عليه السلام - في هذه السورة مبسوطة بتوسع أكثر منها في أية سورة أخرى. وإن كانت تختص بحلقة واحدة من حلقات حياته. حلقة قصته مع الهدهد وملكة سبأ. يمهد لها السياق بما يعلنه سليمان على الناس من تعليم الله له منطق الطير وإعطائه من كل شيء. وشكره لله على فضله المبين. ثم مشهد موكبه من الجن والإنس والطير، وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب، وإدراك سليمان لمقالة النملة وشكره لربه على فضله، وإدراكه أن النعمة ابتلاء، وطلبه من ربه أن يجمعه على الشكر والنجاح في هذا الابتلاء.
ومناسبه ورود هذا القصص إجمالا فى هذه السورة ما سبق بيانه من افتتاح السورة بحديث عن القرآن، وتقرير أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وقصص موسى وداود وسليمان من أهم الحلقات فى تاريخ بني إسرائيل.
أما مناسبة هذه الحلقة ومقدماتها لموضوع هذه السورة فتبدو في عدة مواضع منها ومن السورة :
التركيز في جو السورة وظلالها على العلم - كما أسلفنا في أوائلها – والإشارة الأولى في قصة داود وسليمان هي :
( ولقد آتينا داود وسليمان علما )وإعلان سليمان لنعمة الله عليه يبدأ بالإشارة إلى تعليمه منطق الطير :( وقال : يا أيها الناس علمنا منطق الطير ). وعذر الهدهد عن غيبته في ثنايا القصة يبدأ بقوله :( أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين ). والذي عنده( علم )من الكتاب هو الذي يأتي بعرش الملكة في غمضة عين..
وافتتاح السورة عن القرآن كتاب الله المبين إلى المشركين. وهم يتلقونه بالتكذيب. وفي القصة كتاب سليمان تتلقاه ملكة سبأ، فما تلبث طويلا حتى تأتي هي وقومها مسلمين. لما رأته من القوى المسخرة لسليمان من الجن والإنس والطير. والله هو الذي سخر لسليمان ما سخر، وهو القاهر فوق عباده وهو رب العرش العظيم.
وفي السورة استعراض لنعم الله على العباد، وآياته في الكون، واستخلافه للناس وهم يجحدون بآيات الله، ولا يشكرونه. وفي القصة نموذج للعبد الشاكر، الذي يسأل ربه أن يوفقه إلى شكر نعمته عليه ؛ المتدبر لآيات الله الذي لا يغفل عنها، ولا تبطره النعمة، ولا تطغيه القوة.. فالمناسبات كثيرة وواضحة بين موضوع السورة وإشارات القصة ومواقفها.
وقصة سليمان مع ملكة سبأ نموذج واف للقصة في القرآن، ولطريقة الأداء الفني كذلك. فهي قصة حافلة بالحركة، وبالمشاعر، وبالمشاهد، وبتقطيع هذه المشاهد ووضع الفجوات الفنية بينها !

فلنأخذ في عرضها بالتفصيل :

ويسدل الستار على المشهد، ليرفع، فإذا مشهد رسل الملكة وهديتهم أمام سليمان. وإذا سليمان ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال، أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام. ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير.
( فلما جاء سليمان قال : أتمدونن بمال ؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم. بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون )..
وفي الرد استهزاء بالمال، واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله. مجال العقيدة والدعوة :( أتمدونن بمال ؟ )أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص ؟ ( فما آتاني الله خير مما آتاكم )لقد آتاني من المال خيرا مما لديكم. ولقد آتاني ما هو خير من المال على الإطلاق : العلم والنبوة. وتسخير الجن والطير، فما عاد شيء من عرض الأرض يفرحني ( بل أنتم بهديتكم تفرحون ). وتهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض، الذين لا يتصلون بالله، ولا يتلقون هداياه !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير