أورث بني إسرائيل ديار القبط وأموالهم، وأنزلهم فيها، ومنها: ما تركها كذلك خالية بعد ما أهلك أهلها وخربها وتركها كذلك.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) أي: في هلاك من ذكر لآية ولعبرة يعتبرون.
(وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) مخالفة اللَّه، ومخالفة أمره ونهيه.
* * *
قوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)
وقوله: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ): كأن فيه إضمارًا كأنه قال: أرسلنا لوطًا إلى قومه.
(إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أي: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون، وتعلمون أنها فاحشة.
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) أي: اشتهاء لكم (مِنْ دُونِ النِّسَاءِ): يقول: تأتون الذكور وتدعون النساء، وهو ما قال في آية أخرى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ...) الآية.
وقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ولكن أنتم قوم تجهلون، أي: تجهلون الأمر فتعصون.
ويشبه أن هذا جواب قول كان من قومه نحو ما قالوا: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، فقال عند ذلك: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ما تقولون، أي: على جهل ما تقولون ذلك، أو كلام نحوه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)
قوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) في وقت إلا أن قالوا كذا، لا في الأوقات كلها؛ لأنه قد كان منهم قول وجوابات نحو ما قالوا: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ...) الآية، ونحوه، وقولهم: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)؛ دل هذا منهم أنهم قد علموا أن ما يأتون ويعملون أنه خبيث وفحش ومنكر حيث قالوا: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
ثم يحتمل قولهم هذا وجوهًا:
أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء منهم بهم.
والثاني: قالوا: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ)؛ فإنهم يستقذرون أعمالنا وأفعالنا.
والثالث: على التحقيق (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
الإطلاق: أن الذين أوتوا الكتاب من قبله هم به يؤمنون، جائز أن يكون قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وانتفعوا به يؤمنون به.
أو أن يكون الذي آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته هم يؤمنون به على ما ذكر في آية أخرى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، أُولَئِكَ يؤمنون به، وأما من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون.
فأمأ أهل التأويل فإنهم صرفوا الآية إلى قوم خاص من أهل الكتاب: عبد اللَّه بن سلام وأصحابه الذين آمنوا به، وكذا جائز أن تكون الآية في قوم منهم؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) ذكر أهل التأويل: أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث مُحَمَّد، فلما بعث ثبتوا على ذلك وآمنوا على ما كانوا من قبل.
وفيه دلالة: أن الإيمان والإسلام واحد؛ لأنهم قالوا: (آمَنَّا بِهِ)، وقالوا: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) دل أنهما واحد؛ وكذلك قوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وهما واحد ذكر مرة الإيمان ومرة الإسلام؛ دل أنهما واحد.
وقوله: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)
هذا يحتمل وجوهًا ثلاثة:
أحدها: يؤتون أجرهم مرة بالإسلام، ومرة بما صبروا على زوال الرياسة منهم وذهابها؛ لأنهم كانوا أهل رياسة ومنزلة وقدر، فذهب ذلك كله عنهم بالإسلام، فلهم الأجر مرتين لذلك.
والثاني: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بالإسلام، ومرة بما صاروا قدوة وأئمة لمن بعدهم يقتدون بهم: أحد الأجرين بإسلام أنفسهم، والثاني بدعائهم غيرهم إليه على ما يعاقب الرؤساء منهم والقادة، ويضاعف العذاب عليهم مرتين: مرة بضلال أنفسهم، ومرة بإضلال غيرهم؛ كقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، جائز: أن يكون إيتاء الأجر مرتين؛ لما يصيرون أئمة وقدوة لغيرهم في الخير، ويضاعف عليهم العذاب إذا صاروا أئمة وقدوة في الشر؛ ألا ترى أنه قال في نساء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)، وذلك - واللَّه أعلم - لما يصرن هن أئمة لغيرهن يقتدين بهن؛ فعلى ذلك الأول.
والثالث: جائز أن يكون يؤتون أجرهم مرتين بالإسلام نفسه، ويكون الصبر كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: آمنوا وأسلموا.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم