ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

(قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)
علم الإنسان حسي حاضر غير مغيب، لأنه لم يؤت علم الغيب إلا اللَّه تعالى، ومن يشاء سبحانه أن يعطيه أحدا من عباده والعلم بالغيب هو العلم مما أكنه اللَّه تعالى في الوجود في قابل الأمور، لَا في ماضيها، فالماضي يعرف بالكتابة أو القراءة أو نحو ذلك، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه بأن يبين لقومه أنه لَا يعلم الأمور الغيبية إلا اللَّه، فقال: (قُل)، أي يا رسولي: (لَّا يَعْلَمُ من فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، و (مَن) هنا للعاقل، وإذا انتفى الغيب عن العقلاء فهو عن غيرهم أنفَى، والغيب مفعول به ومن هنا تشمل العقلاء جميعا من يكونون في

صفحة رقم 5475

السماوات والأرض فيدخل في العموم الملائكة، والجن والإنس، والاستثناء متصل فهو ليس منقطعا، بمعنى لكن، وإن كان قد ادعى بعض المفسرين ذلك، وإن علم الإنسان في محيط وجوده وهو يحسب أن علمه هو ما يشعر به وحده ولا أحد غيره، حتى إن الأعمى، ما كان ليشعر بعلم المبصرين لولا تضافر الناس على نقص علمه، وكذلك الأصم، ولذا قال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعثُونَ)، أي في أي وقت يبعثون، لَا يشعرون في أي وقت يبعثون، والشعور علم يقارب الحس المتلمس، أي ما يحسون في أي وقت يبعثون، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ..). وإنه يستفاد من هذا أن علم الغيب هو العلم بما يقع في المستقبل لَا بما هو واقع في الماضي أو الحاضر.
يروى في ذلك أنه دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي منجم فاعتقله، فأخذ حصوات فعدها، ثم قال: كم في يدي من حصاة، فحسب المنجم، ثم قال: كذا، فأصاب، ثم اعتقله فأخذ حصوات لم يعدهن ثم قال: كم في يدي، فحسب وأخطأ، ثم قال أيها الأمير أظنك لَا تعرف عددها، وقال: لَا، قال فإني لا أجيد العد. قال فما الفرق؛ قال إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب، وهذا لم تحصه فهو غيب، ولا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللَّه.
ولقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت: " من زعم أن محمدا يعلم ما في غد، فقد أعظم الفرية على اللَّه تعالى، يقول (قُل لَا يَعْلَمُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) ".

صفحة رقم 5476

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية