بكم؟! يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.
ثم قال: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) أن مع اللَّه إلفا فعل ذلك بكم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
ثم قال: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) كأنه قال - واللَّه أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا اللَّه؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون اللَّه من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب اللَّه.
ثم قوله: (الْغَيْبَ) يخرج على وجهين:
أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.
والثاني: لا يعلم الغيب إلا اللَّه، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا اللَّه وإن أعلموا وعلموا ذلك.
ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا اللَّه.
وقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ): قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعًا سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا...) الآية، أخبر أنه لم يطلِعْ أحد على علم ذلك عند اللَّه.
وقوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) اختلف في قراءته وتأويله:
أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: (ادَّارَكَ) بالتشديد والألف.
وقرأ بعضهم: (ادَّرَكَ) بإسقاط الألف والتشديد.
وقرأ بعضهم: (بلى) بإثبات الياء في (بلى)، على الوقف عليها، و (أَأَدَّرَكَ) على الاستفهام: (بلى أَأَدرَكَ).
ومنهم من قرأ على الاستفهام: (آدْرَكَ) على غير إثبات الياء في حرف (بَل) وعلى
غير قطع منه.
فمن قرأ: (ادَّارَكَ) بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.
أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ)، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ)، أي: أم ادَّارك علمهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ)، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادرك في الآخرة حين لم ينفعهم.
وعن الحسن قال: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ)، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ)، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.
(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا) قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟
(بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) يعني: جهلة بها.
وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيا.
وأَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ يقولان: (ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ) أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.
(بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) أي: من علمها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في (بلى) والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
ووجه آخر: أنهم لم يصدقوا بالعذاب في الدنيا، ولو صدقوه لاهتدوا مخافة نزول العذاب بهم.
والثالث: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ... ) اختلف فيه: قال قائلون: إنما يسألون عن إجابتهم الرسل ماذا أجبتموهم؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوا هم، (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) أي: الإجابة، فلا يتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك وفزعهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقول لهم: لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ)، أي: الحجج والعذر، لما لم يكن لهم الحجة والعذر في تركهم إجابتهم.
(فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا على ما ذكر في الكتاب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ) بالحجة والبرهان؛ لما لا حجة لهم ولا برهان، أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن اللَّه أدحض حججهم وكلل ألسنتهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يتساءلون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ كقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ). واللَّه أعلم بذلك.
ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه وقالوا: لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة، لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون: يا ربنا أجبنا ما نفذ من مشيئتك وإرادتك، وما مضى من قضائك وكتابتك علينا؛ إذ كنت أنت قضيت وكتبت علينا وشئت وأردت ما كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت وقضيت علينا.
إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب، وهذا تعليم لأُولَئِكَ الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم.
ثم يقال: لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم، فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب اللَّه وسنة رسوله وقول المسلمين أجمع حيث قالوا: (ما شاء اللَّه كان
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم