بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف بالكتاب ومؤلفهالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
الكتاب:
" فتح البيان في مقاصد القرآن " درة نادرة بين كتب التفسير، لأن علّامتنا، أبا الطيب صديق خان نتيجة لمدارسته كتب التفسير المختلفة، وعى حقيقة مهمة وهي أن بعض كتب التفسير لا تخلو مما دسه الأعداء وأهل الأهواء على الإسلام، بقصد هدم هذا الدين المتين عن طريق الدسّ والوضع حينما أعيتهم الحيل من النيل منه عن طريق الحرب والقوة أو عن طريق الدليل والحجة. فجرد حسامه وبرى يراعته للدفاع عن كتاب الله تعالى فقرأ جُلّ ما كتب الأقدمون وتبين له أن النحوى ليس له هم في تفسيره إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة...
والفقيه يكاد يسرد في تفسيره الفقه جميعاً وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي ربما لا تعلّق لها بالآية أصلاً.
والإخباري: ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة.
والمبتدع: ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد.
والملحد: لا تسأل عن كفره والحاده في آيات الله وافترائه على الله.
ومن المفسرين مَنْ اقتصر في تفسيره على مجرد الرواية ومنهم من اكتفى بمجرد الدراية وقليل من جمع بين الرواية والدراية فاختار الشيخ صديق خان أن يكتب تفسيراً خالياً من الإسرائيليات والخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها. وكذلك الجدل المذهبي والمناقشات الكلامية، فجمع بين الرواية والدراية مع تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد إيقاظاً للنائمين وتحريضاً للمتثبطين.
فاختار صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي لأنه الحجة المتبعة التي لا يسوغ مخالفتها. صفحة رقم 1
ثم تفاسير عظماء الصحابة المختصين برسول الله - ﷺ -.
ثم تفاسير التابعين ومن بعدهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين.
ثم أهل اللغة العربية الذين يفسرون كتاب الله جل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازاً إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية تراعي النقل عن السلف أو رعاية الأصول المعتبرة أو قواعد اللغة العربية.
وكان رضي الله عنه في تفسيره يتحرى الدقة والصحة فيما ينقل، إن ذكر حديثاً عزاه إلى رواية من غير بيان حال الإسناد لأنه أخذه من الأصول المعتبرة.
وقد سلك في أمور العقائد وفق منهج السلف وخاصة في آيات الصفات وبالجملة فإن تفسيره تنزاح عنه شبه المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، خلى من كثرة الحشو والدخيل والخرافات التي لا يقوم عليها دليل. فكان درة بين كتب التفسير.
ولا داعي للإطناب في المدح فالكتاب بين يديك راجع أي مَوْضِع فيه تجد صدق ما قلناه وأكثر مما كتبناه.
المؤلف
هو السيد الإمام والعلامة الهمام صدر العلماء الأعلام، المُسندين في الهند، وعمدة الكرام المحدثين المعتمدين، محيي السنة وقامع البدعة الحبر في التفسير والحديث والأصول الذي انتشرت بوجوده علوم السنة والآثار وصنف في ذلك الأسفار الكبار.
المحدث المفسر الأصولي (١).
أبو الطيب صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنّوجي (٢) الهندي.
الذي شهد بكماله الداني والقاصي.
_________
(١) مصادر ترجمته. أبجد العلوم ٣/ ٢٧١ لصديق خان
حلية البشر ٢/ ٧٣٨ الشيخ عبد الرزاق البيطار
الروض المعطار في خبر الأقطار ص ٤٧٤ محمد عبد الرحيم الحميري
جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص ٤٨ السيد نعمان خير الدين الألوسي
هدية العارفين ٢/ ٣٨٨ إسماعيل باشا البغدادي
ايضاح المكنون ١/ ١٠ إسماعيل باشا البغدادي
مقدمة كتاب الروضة الندية طبعت في بولاق ١٢٩٦
الأعلام ٦/ ١٦٧ خير الدين الزركلي
معجم المؤلفين ١٠/ ٩٠ عمر رضا كحالة
فهرس الفهارس ٢/ ١٠٥٥ عبد الحي الكتاني
المسلمون في الهند ص ٤٠ أبو الحسن الندوي
(٢) قال الحميري: قِنّوج أفخر بلاد الهند اسماً وشأناً وأعظمها صيتاً وأقدمها بنياناً. ص: ٤٧٤.
ورد في الحاشية، أن مدينة قنوج في أيام ابن بطوطة مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة كثيرة السكَر وعليها سور عظيم.
مولده
ولد ضحى يوم الأحد لعله التاسع عشر من جمادى الأولى ١٢٤٨ سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف هجرية على صاحبها أفضل سلام وأزكى تحية ببلدة " بريلي " بالهند، موطن جده القريب من جهة الأم، ثم جاءت به أمه الكريمة من " بريلي " إلى " قِنوج " بالهند موطن آبائه الكرام.
ولما ناهز السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة ربه وبقي في حجر أمه يتيماً، تهتم به وتربيه على العفاف والطهارة وحب العلم والعلماء فهو سليل بيت علم وتقوى.
والده
هو الماجد الفاضل حسن بن علي، تتلمذ على الشيخ عبد الباسط القِنوجي ثم رحل إلى لكنهو فاكتسب عن الشيخ العالم محمد نور وغيره من علماء عصره. ثم انتقل إلى دهلي وتتلمذ على الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ الأجل " شاه ولي الله المحدث الدهلوي ". وأخذ الإجازة لكتب التفسير والحديث وغيرهما، وصحب العالم المجدد أحمد البريلوي مجدد المائة الثالثة عشرة. واستمر معه حتى صار خليفته في دعوة الحق إلى دين الله، واقتداء الدليل ورد الشرك والبدع إلى أن توفاه الله تعالى ١٢٥٣هـ. من مؤلفاته: كتاب في الحدود والقصاص، وكتاب تقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين، ورسالة في رد التعزية والضريح. وغير ذلك من المؤلفات النافعة التي تنهج طريقة السلف الصالح.
أخوه الأكبر
هو العلامة الشيخ أحمد بن حسن بن علي القِنوجي ولد ١٢٤٦هـ وجمع العلوم والفنون المتفرقة من بلاد شتى، على أكابر العلماء في دهلي وغيرها من البلدات. تتلمذ على المولوي عبد الجليل الكولي، وأجاز له الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي وخاتمة المجتهدين الشيخ صالح بن محمد العمري الشهير الفلاني.
سافر قاصداً بيت الله الحرام، إلا أنه مات في الطريق ١٢٧٧هـ. له كتاب الشهاب الثاقب وغيره.
وقد استفاد الشيخ صديق خان من أخيه وأبيه اتباع طريق السلف والبعد عن التقليد، فهما كانا مدرسته الأولى.
صفاته
كان شيخنا المفسر ربعة من القوم، قليل الشيب شعره إلى شحمة أذنيه. كريماً جواداً شجاعاً جمع إلى الإيمان والتقوى الفراغ من ملاذ النفس وهوى الشيطان. فصيح اللسان سريع الكتابة سريع الحفظ والمطالعة، إذا ذكرت مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح، وهذا يدل على سعة ثقافته ورجحان عقله.
ادعى الإجتهاد لاجتماع شروطه فيه، كان إذا استدل ما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً للسنة المطهرة وعزوها منه.
لا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق والعمل به.
شيوخه
رحل الشيخ صديق في سبيل طلب العلم وأخذه عن أكابر أطراف وطنه، فقد شمر عن ساق الجد لتحصيل العلوم، وشد الرحل إلى " دهلي " حيث أخذ عن مفتيها الشيخ محمد صدر الدين خان، من تلاميذه الشيخ عبد العزيز وأخيه رفيع الدين ابني العالم المحدث أحمد ابن عبد الرحيم شاه ولي الله الدهلوي.
وقد استفاد العلوم من التفاسير والأحاديث من مشيخة اليمن والهند. فأخذ عن الشيخ حسين بن محسن اليمني، تلميذ الشيخ محمد بن ناصر تلميذ العلامة المجتهد محمد ابن علي الشوكاني. وأقام سلسلة الأسانيد فكتب الحديث الشريف واستحصل سند القرآن الكريم عن الشيخ محمد يعقوب الدهلوي، أخي الشيخ إسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي.
وأخذ الإجازة عن الشيخ المعمّر عبد الحق الهندي تلميذ الإمام الشوكاني.
وممن استجاز منه العالم المحدث الشيخ يحيى بن محمد الحازمي قاضي عدن. وأخذ عن شيوخ غيرهم كثير.
وكلهم أجازوا له مشافهة وكتابة إجازة مأثورة عامة تامة. فكل واحد أجاز له بما هو مذكور في ثبتهم الجامع لجميع أصناف العلوم وأنواع الفنون.
وقد جمع الشيخ صديق شيوخه في كتاب سمّاه " سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند ". ذكر فيه من أخذ عنه ومن أجاز له والأسانيد التي تلقاها عنهم.
ومن دهلي إلى قِنّوج إلى الحرمين، حيث بقي عاكفاً ثمانية أشهر ثم عاد إلى بهوبال، حيث استوطن واستقر يشتغل بالدرس والتأليف. حتى صار رأساً في المعقول والمنقول
وإماماً في علمي الفروع والأصول، وجدّ واجتهد في اتقان القرآن والسنة وتدوين علومهما ينصر السنة ويروج مصنفاتها ويؤلف مؤلفاته الشريفة، الممتعة النافعة باللسان العربي ولغة الفرس والهند، ويبذل المال الكثير في إذاعتها بالطبع والتقسيم.
أقوال العلماء فيه
قال الإمام الألوسي: إن الحنابلة بأجمعهم معظمون للشيخ صديق خان ولعقيدته قابلون، ولكلامه سامعون.
وقال الإمام الكتّاني: إن الشيخ صديق من كبار علماء الهند الذين لهم اليد الطولى في إحياء كثير من كتب الحديث وعلومه، وغيره من العلوم. وقد عدّ صاحب " عون الودود على سنن أبي داود " صديق خان أحمد المجددين على رأس المائة الرابعة عشرة.
أما الشيخ عبد الرزاق البيطار الدمشقي فقال: إن الإمام صديق خان سيد علماء الهند، كان ملياً بالعلوم مجتهداً في إشاعتها مجدداً لإذاعتها أحيا السنن الميتة بالأدلة البيض من السنة والفرقان.
وزاد العلامة محمد منير الدمشقي المصري فقال: كم له من أيادٍ بيض في خدمة العلم والعلماء وإن جحد فضله الحاسدون وضعفاء العقول.
وختم العلامة الهندي أبو الحسن الندوي فقال: وقد قام صديق خان شخصياً بما لا تقوم به مجامع علمية، في أكثر الأحيان لكثرة المؤلفات وضخامة الإنتاج.
وبالجملة أن الشيخ صديق خان كان موسوعة علمية، لم يدون أحد في عصره من علماء الهند أحكام الكتاب العزيز وعلوم السنة المطهرة في العبادة والمعاملة وغيرهما خالصة من آراء الرجال نقيةً من أقوال العلماء على هذه الكيفية المشاهدة في هذا السِفر المبارك " فتح البيان في مقاصد القرآن " مثله.
وفاته
توفي رحمه الله تعالى أواخر جمادى الثانية عام ١٣٠٧هـ ودفن ببهوبال بالهند.
وقد خلف ولدين أكبرهما أبو الخير محمد الحسن، صاحب الشرح المطبوع على بلوغ المرام.
مؤلفاته
له في الكتابة سرعة عجيبة، وفي التأليف ملكة غريبة، يكتب الكراريس العديدة في يوم واحد.
تبلغ مؤلفاته اثني وعشرين ومائتين ٢٢٢ كتاباً منها حوالي ستة وخمسون ٥٦ كتاباً في العربية. منها:
فتح البيان في مقاصد القرآن.
شرح تجريد الصحيح للشرجي واسمه عون الباري بحلّ أدلة البخاري.
وشرح اختصار مسلم للمنذري.
وأبجد العلوم.
وهدية السائل إلى أدلة المسائل.
ويقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار
ومسك الختام شرح بلوغ المرام.
الروضة الندية شرح الدرر البهية.
منهج الوصول إلى إصطلاح أحاديث الرسول.
اتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدّثين.
الإدراك في تخريج أحاديث الإشراك.
الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة.
أربعون حديثاً في فضائل الحج والعمرة.
إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ.
بلوغ السول من أقضية الهول.
تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي.
الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة.
الخطة بذكر الصحاح الستة.
الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون.
رياض الجنة في تراجم أهل السنة.
غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري.
فتح المغيث بفقه الحديث.
قطف الثمر من عقائد أهل الأثر.
الاحتواء على مسألة الاستواء.
بدور الأهلة من ربط المسائل بالأدلة.
الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح.
حصول المأمول من علم الأصول.
ذخر المحتي من آداب المفتي.
الصافية في شرح الشافية في علم الصرف.
ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي.
العلم الخفاق من علم الاشتقاق.
غصن البان المورق بمحسنات البيان.
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام.
هدية السائل إلى أدلة المسائل.
حسن الأسوة.
الفرع النامي من الأصل السامي.
وغيرها من الكتب التي تشهد له أنه من كبار من لهم اليد الطولى في إحياء كثير من علوم الكتاب والسنة وسائر الفنون.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلفالحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وبين له من معالم العلم وشعائر الشرائع ومشاعر الملل كل ما جل ودق، ونزل عليه كتاباً معجزاً أفحم مصاقع الخطباء من العرب العرباء وخطاباً مفحماً أعجز بواقع البلغاء من عصابة الأدباء، بأظهر بينات وأبهر حجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر، وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أيام الأمم الخالية ليعتبر، وضرب فيه ضروب الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، أنزله بحسب المصالح والحكم منجماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالإستعاذة مختتماً، وأوحاه متشابهاً ومحكماً، مزاياه ظاهرة باهرة في كل وجهٍ وكل زمان، دائرة من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، كادت الرواسي لهيبته تمور، ويذوب من خشيته الحديد ويميع منه صم الصخور، فمن تمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، وسلك جادته الواضحة وصراطه المبين، فقد فاز بمناه، ومن نبذه وراء ظهره وعصاه، واتخذ إلهه هواه، فقد هوى في تخوم الشقاء وتردى في مهاوي الردى والاشتباه، فأي عبارة تبلغ أيسر ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم، وأي إشارة تصلح لبيان أقل ما ينبغي له من التوصيف والتكريم.
كلا والله إن بلاغة البلغاء وسحرة البيان وإن طالت ذيولها، وفصاحة الفصحاء ومهرة قحطان وإن سالت سيولها تتقاصر عن الوفاء بأدق أوصافه وإن جالت بميادينها خيولها، وتتصاغر عن التشبث بأقصر أطرافه وإن أفلقت في إطرائها فحولها، فتعود ألسنتهم عنه قاصرة، وصفقتهم في أسواقه خاسرة، كيف وتلك الآيات والدلائل، وتيك البينات والمخايل، وهذه العبارات العبقرية، وما في تضاعيفها من أسرار البرية، مما لا تحيط به ألباب البشر، ولا صفحة رقم 9
تدرك كنهه طباع العالم الأكبر والأصغر، بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته، لعجزوا عن الاتيان بمثل أقصر آية من آياته فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه كلام الملك العلام، من الإطراء والاكرام، أوفق بما يقتضيه الحال من الإجلال والإعظام.
والصلاة والسلام على من أرسله الله إلى الخلق هادياً وبشيراً، ونزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، فهداهم به إلى الحق وهم في ضلال مبين، وسلك بهم مسلك الهداية حتى أتاهم اليقين، أكمل به بنيان النبوة والجلالة، وختم به ديوان الوحي والرسالة، وأتم به مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، على ألطف أسلوب وأحسن أحوال، أعلى به من الدين معالمه، ومن الحق مراسمه، وبيّن من البرهان سبيله، ومن الإيمان دليله، وأقام للحق حجته، وأنار للشرع محجته، حتى انشرحت الأفئدة بأنوار البينات، وانزاح عن الضمائر صدأ الشبهات فهو حجة نيرة واضحة المكنون، وآية بينة لقوم يعقلون، بل برهان جلي لا ريب فيه، ومنهج سوي لا يضل من ينتحيه، مظهر لتفاصيل الشرائع والأديان بالاستحقاق، مفسر لمشكلات آيات الأنفس والآفاق، كاشف عن خفايا حظائر القدس، مطلع على خبايا سرائر الأنس، بحر علم لا ينزف، وعيلم فضل لا ينشف، به يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وبه تكتسب الملكات الفاخرة، كلامه شفاء للسقام، ومرهم للأوهام، وحديثه قاطع للخصام، عند تفاوت الأفهام وتباين الأقدام، عليه يدور فلك الأوامر والنواهي، وإليه يستند في معرفة حقائق الأشياء كما هي، أفلح من اتبعه ووالاه، وخاب من أعرض عنه وعاداه.
وصلى الله وسلم على آله البررة، وصحبه الخيرة، مصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، خلفاء الدين، وحلفاء اليقين، الذين بلغوا من محاسن الفضائل غاية الغايات، ووصلوا من مكارم الفواضل نهاية النهايات، قارعوا على الإسلام فكشفوا عنه القوارع والكروب، وسارعوا إلى الإيمان فصرفوا عنه العوادي والخطوب، فابتسم ثغر الدين، وانتظم أمر المسلمين، واتضح الوعد من الله وحق عليه نصر المؤمنين، لا يتسنى العروج إلى معارجهم الرفيعة، ولا
يتأتى الرقي إلى مدارجهم المنيعة، لعلو شأنهم ونهاية الاعضال، وصعوبة مرامهم وعزة المنال، فهم شموس الهدى على فلك السعادة، وبدور الدجى لهم الحسنى وزيادة. وعلى من تبعهم بالإحسان، صلاة وسلاماً دائمين ما تناوب النيران وتعاقب الملوان.
(وبعد) فيقول الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه، عبده وابن أمته وعبده (أبو الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي) أصلح الله حاله ومآله قبل أن يخرج الأمر من يده:
إن أعظم العلوم مقداراً، وأرفعها شرفاً ومناراً، وأعلاها على الإطلاق، وأولاها تفضيلاً بالاستحقاق، وأساس قواعد الشرائع والعلوم، ومقياس ضوابط المنطوق والمفهوم، ورأس الملل الإسلامية وأسها، وأصل النحل الايمانية وأستقصها، وأعز ما يرغب فيه ويعرج عليه، وأهم ما تناخ مطايا الطلب لديه، هو علم التفسير لكلام العزيز القدير، لكونه أوثق العلوم بنياناً، وأصدقها قيلاً وأحسنها تبياناً، وأكرمها نتاجاً، وأنورها سراجاً، وأصحها حجة ودليلاً، وأوضحها محجة وسبيلاً، وقد حاموا جميعاً حول طلابه، وراموا طريقاً إلى جنابه، والتمسوا مصباحاً على قبابه، ومفتاحاً إلى فتح بابه.
وهو علم باحث عن نظم نصوص القرآن، وآيات سور الفرقان بحسب الطاقة البشرية وبوفق ما تقتضيه القواعد العربية، قال الفناري: الأولى أن يقال: علم التفسير معرفة أحوال كلام الله سبحانه وتعالى من حيث القرآنية، ومن حيث دلالته على ما يعلم أو يظن أنه مراد الله تعالى بقدر الطاقة الإنسانية انتهى، وهذا يتناول أقسام البيان بأسرها، ولا يرد عليه ما يرد على سائر الحدود، ومباديه العلوم اللغوية وأصول التوحيد وأصول الفقه وغير ذلك من العلوم الجمة.
والغرض منه معرفة معاني النظم ومعرفة الأحكام الشرعية العملية، وفائدته حصول القدرة على استنباط الأحكام الشرعية على وجه الصحة وموضوعه كلام الله سبحانه الذي هو منبع كل حكمة ومعدل كل فصلة وغايته التوصل إلى فهم معاني القرآن واستنباط حكمه ليفوز به إلى السعادة الدنيوية
والأخروية، وشرف العلم وجلالته باعتبار شرف موضوعه وغايته، فهو أشرف العلوم وأعظمها، ذكره أبو الخير وابن صدر الدين.
والقرآن الكلام العربي المنزل على محمد - ﷺ - المتحدى بأقصر سورة منه المنقول تواتراً، ودليله الكتاب والسنة ولفظ العرب العرباء، واستمداده من علمي أصول الدين والفقه وهو قسمان " تفسير " وهو ما لا يدرك إلا بالنقل كأسباب النزول " وتأويل " وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية فهو مما يتعلق بالدراية.
والسر في جواز التأويل بشروطه دون التفسير، أن التفسير كشهادة على الله وقطع بأنه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى ولا يجوز إلا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم بأن تفسير الصحابي مطلقاً في حكم المرفوع، والتأويل ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع، فاغتفر، أفاد ذلك جماعة من أهل العلم ذكرهم سليمان الجمل في حاشية الجلالين.
وقد تصدى لتفسير عويصاته أساطين الأمة، وتولى لتيسير معضلاته سلاطين الأئمة من الصحابة والتابعين، وأئمة اللغة والنحويين، ثلة من الأولين وأمة من الآخرين، فغاصوا في بحار لججه، وخاضوا في أنهار ثبجه، فنظموا في سلك التقرير فرائده، وأبرزوا في معرض التحرير فوائده، وألفوا كتباً جليلة المقدار، وصنفوا زبراً جميلة الآثار، وفصلوا مجمله، وبينوا معضله مع تحقيق للمقاصد وفق ما يرتاد، وتنقيح للمعاقد فوق ما يعتاد.
فالمفسرون من الصحابة الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب، والرواية عن علي أكثر، وعن الثلاثة في ندرة جداً، والسبب فيه تقدم وفاتهم، وروي عن ابن مسعود أكثر مما روي عن علي ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين.
وأما ابن عباس المتوفى سنة ثمان وستين بالطائف فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة ورئيس المفسرين دعا له النبي - ﷺ - فقال: " اللهم فقهه في الدين
وعلمه التأويل (١) " وقد روى عنه في التفسير ما لا يحمى كثرة لكن أحسن الطرق عنه طريقة علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة واعتمد على هذه البخاري في صحيحه، وأوهى الطرق عنه طريق الكلبي أبي النصر محمد بن السائب، فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكذلك طريق مقاتل بن سليمان الأزدي، وطريق الضحاك عنه منقطعة فإنه لم يلقه، ومن جيد الطرق عنه طريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب وطريق ابن اسحق صاحب السير.
وأما أبيّ بن كعب المتوفى سنة عشرين على خلاف فيه، فعنه نسخة كبيرة عن طريق أبي العالية، وهذا إسناد صحيح، ومن الصحابة من ورد عنه اليسير من التفسير غير هؤلاء منهم أنس بن مالك المتوفى بالبصرة سنة إحدى وتسعين وأبو هريرة المتوفى بالمدينة سنة سبع وخمسين، وعبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى بمكة المكرمة سنة ثلاث وسبعين، وجابر بن عبد الله المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين، وأبو موسى الأشعري المتوفى سنة أربع وأربعين، وابن عمرو بن العاص المتوفى سنة ثلاث وستين، وهو أحد العبادلة الذين استقر عليهم أمر العلم في آخر عهد الصحابة، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتوفى سنة خمس وأربعين.
وأما المفسرون من التابعين فمنهم أصحاب ابن عباس وهم علماء مكة المكرمة، ومنهم مجاهد بن جبر المتوفى سنة ثلاث ومائة واعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري، وسعيد بن جبير المتوفى سنة أربع وتسعين، وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة خمس ومائة، وطاوس بن كيسان اليماني المتوفى سنة ست ومائة، وعطاء بن أبي رباح المكي المتوفى سنة أربع عشرة ومائة.
ومنهم أصحاب ابن مسعود وهم علماء الكوفة كعلقمة بن قيس المتوفى سنة اثنتين ومائة، والأسود بن يزيد المتوفى سنة خمس ومائة، ومنهم أصحاب زيد بن أسلم كعبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس، ومنهم الحسن البصري
_________
(١) المستدرك على الصحيحين برواية: اللهم علمه تأويل القرآن وفقهه في الدين واجعله من أهل الإيمان ٣/ ٥٣٦
المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائة: وعطاء بن أبي سلمة ميسرة الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي المتوفى سنة تسعين: والضحاك بن مزاحم: وعطية بن سعيد العوفي المتوفى سنة إحدى عشرة ومائة: وقتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: والربيع بن أنس والسدي.
ثم بعد هذه الطبقة الذين صنفوا كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس، وإسحق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد الله بن حميد، وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين.
ثم بعد هؤلاء طبقة أخرى منهم عبد الرزاق وعلي بن أبي طلحة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ بن حيان وابن المنذر في آخرين.
ثم انتصبت طبقة بعدهم إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحق الزجاج وأبي علي الفارسي ومكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي، وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيراً ما استدرك الناس عليهما.
ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من سنح له قول يورده، ومن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك خلف عن سلف ظاناً أن له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن هم القدوة في هذا الباب.
قال السيوطي رأيت في تفسير قوله سبحانه (غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين) نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي - ﷺ - وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك خلافاً من المفسرين.
ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في شيء من العلوم، ومنهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن واقتصر فيه على ما تمهر هو فيه، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير، مع أن فيه تبيان كل شيء، فالنحوي تراه ليس له إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر، والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والاخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة، ومنهم الثعلبي، والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعاً وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلاً، والجواب عن الأدلة للمخالفين كالقرطبي وصاحب المظهري وصاحب العلوم العقلية خصوصاً فخر الدين الرازي قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب، قال أبو حيان في البحر: جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
والمبتدع ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه لو لاح له شارد من بعيد اقتنصه أو وجد موضعاً له فيه أدنى مجال سارع إليه، كما نقل عن البلقيني أنه قال استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش، منها أنه قال في قوله سبحانه وتعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) أي فوز أعظم من دخول الجنة، وأشار به إلى عدم الرؤية.
والملحد لا تسأل عن كفره وإلحاده في آيات الله وافترائه على الله ما لم يقله، كقول بعضهم في تفسير قوله تعالى (وإن هي إلا فتنتك) ما على العباد أضر من ربهم، وينسب هذا القول إلى صاحب قوت القلوب.
ومن ذلك القبيل الذين يتكلمون في القرآن بلا سند ولا نقل عن السلف، ولا رعاية للأصول الشرعية، والقواعد العربية، كتفسير محمود بن حمزة الكرماني ضمنه أقوالاً هي عجائب عند العوام، وغرائب عما عهد عن السلف الكرام، وهي أقوال منكرة لا يحل الاعتقاد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير.
ومن ذلك قول من قال في (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) إنه الحب والعشق، ومن ذلك قولهم في (ومن شر غاسق إذا وقب) إنه الذكر إذا قام، وقولهم في (من ذا الذي يشفع عنده) معناه من ذل أي من الذل وذي إشارة إلى النفس، ويشف من الشفاء جواب " من " و (ع) أمر من الوعي.
وسئل البلقيني عمن فسر بهذا فأفتى بأنه ملحد.
(قلت) وقد نبغت في هذا الزمان طائفة تفسر القرآن برأيها، وتحذف منه الآيات المتواليات تسمى بالنيفرية، وهم الذين أنكروا وجود الملائكة والجن والشياطين إلى غير ذلك، وقد عمت فتنتهم بلاد الهند الاسلامية، فرَّق الله جمعهم، وبدد شملهم وأنزل بهم بأسه الذي لا يرده عن القوم المجرمين.
وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير، قال ابن الصَّلاح في فتاواه: وجدت عن الإمام الواحدي أنه قال: صنف السلمي حقائق التفسير إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر.
قال النسفي في عقائده: النصوص تحمل على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد، وقال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها بل لها معان باطنة.
قال صاحب مفتاح السعادة: الإيمان بالقرآن هو التصديق بأنه كلام الله سبحانه قد أنزل على رسوله محمد - ﷺ - بواسطة جبرائيل عليه السلام، وأنه دال على صفة أزلية له سبحانه، وأن ما دل هو عليه بطريق القواعد العربية مما هو مراد الله سبحانه حق لا ريب فيه، ثم تلك الدلالة على مراده سبحانه بواسطة القوانين الأدبية الموافقة للقواعد الشرعية والأحاديث النبوية مراد الله تعالى، وقد ثبت في الحديث أن لكل آية ظهراً وبطناً (١) وذلك المراد الآخر لما لم يطلع عليه كل أحد بل من أعطى فهماً وعلماً من لدنه تعالى يكون الضابط في صحته أن لا يرفع ظاهر المعاني المنفهمة عن الألفاظ بالقوانين العربية وأن لا يخالف القواعد الشرعية، ولا يباين إعجاز القرآن، ولا يناقض النصوص الواقعة
_________
(١) أين هذا الحديث: من رواه؟ من أخرجه؟ لم نجده في أي كتاب لدينا.
فيها، فإن وجدت فيه هذه الشرائط فلا طعن فيه وإلا فهو بمعزل عن القبول.
قال الزمخشري: من حق التفسير أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليماً من القادح.
وكما بينوا في التفسير شرائط، بينوا في المفسر أيضاً شرائط لا يحل التعاطي لمن عرى عنها أو هو فيها راجل وهي أن يعرف اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والقراآت وأصول الدين وأصول الفقه، وأسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والفقه، والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله سبحانه لمن عمل بما علم انتهى.
ثم إن تفسير القرآن ثلاثة أقسامٍ:
الأول ما لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته ومعرفة حقائق أسمائه وصفاته، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه.
والثاني ما أطلع الله سبحانه نبيه عليه من أسرار الكتاب واختصه به فلا يجوز الكلام فيه إلا له - ﷺ - أو لمن أذن له، قيل: وأوائل السور من هذا القسم، وقيل من الأول وهو الراجح.
والثالث علوم علمها الله نبيه وأمره بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ واللغات والقراآت وقصص الأمم وإخبار ما هو كائن، ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستنباط من الألفاظ، وهو قسمان قسم اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهات، وقسم اتفقوا عليه وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية، وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والاشارات لا يمتنع استنباطها منه لمن له أهلية ذلك، وما عدا هذه الأمور هو التفسير بالرأي الذي نهى عنه، وفيه خمسة أنواع:
الأول التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير، والثاني
تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والثالث التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلاً، والتفسير تابعاً له فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفاً، الرابع التفسير بأن مراد الله سبحانه كذا على القطع من غير دليل، الخامس التفسير بالاستحسان والهوى والتقليد.
(أقول) إن التفسير الذي ينبغي الاعتداد به والرجوع إليه هو تفسير كتاب الله جل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازاً إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية فإن ثبتت فهي مقدمة على غيرها، وكذلك إذا ثبت تفسير ذلك من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو أقدم من كل شيء بل حجة متبعة لا يسوغ مخالفتها لشيء آخر، ثم تفاسير علماء الصحابة المختصين برسول الله - ﷺ - فإنه يبعد كل البعد أن يفسر أحدهم كتاب الله تعالى ولم يسمع في ذلك شيئاً عن رسول الله - ﷺ -، وعلى فرض عدم السماع فهو أحد العرب الذين عرفوا من اللغة دِقَّها وجلَّها، وأما تفاسير غيرهم من التابعين ومن بعدهم فإن كان من طريق الرواية نظرنا في صحتها سواء كان المروي عنه الشارع أو أهل اللغة، وإن كان بمحض الرأي فليس ذلك بشيء ولا يحل التمسك به ولا جعله حجة، بل الحجة ما قدمناه، ولا نظن بعالم من علماء الإسلام أن يفسر القرآن برأيه فإن ذلك مع كونه من الإقدام على ما لا يحل بما لا يحل قد ورد النهي عنه في حديث " من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن فسر القرآن برأيه فأخطأ فقد كفر " (١) أو كما قال.
إلا أنا لم نتعبد بمجرد هذا الإحسان للظن على أن نقبل تفسير كل عالم كيفما كان بل إذا لم نجده مستنداً إلى الشارع ولا إلى أهل اللغة لم يحل لنا العمل به مع التمسك بحمل صاحبه على السلامة، ونظير ذلك اختلاف العلماء في المسائل العلمية، فهو إن كان إحسان الظن مسوغاً للعمل بما ورد عن كل واحد منهم لوجب علينا قبول الأقوال المتناقضة في تفسير آية واحدة أو في مسألة علمية واللازم باطل فالملزوم مثله.
وإذا عرفت هذه الفوائد فاعلم أن كتب التفاسير كثيرة ذكر منها ملا
_________
(١) الترمذي كتاب التفسير الباب الأول بلفظ: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
كاتب الجلبي في كشف الظنون ما يزيد على ثلثمائة تفسير مرتباً على حروف الهجاء وزدنا عليه في كتابنا الأكسير في أصول التفسير، فمنها تفسير ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي الحافظ المتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين.
وانتقاه الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في مجلد، ومنها تفسير ابن جرير أبي جعفر محمد الطبري المتوفى سنة عشرة وثلثمائة قال السيوطي في الاتقان: وكتابه أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين اهـ.
وقد قال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري، وعن أبي حامد الإسفرايني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً.
ومنها تفسير ابن كثير الإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، وهو كبير في عشر مجلدات فسر بالأحاديث والآثار مسندة عن أصحابها مع الكلام على ما يحتاج إليه جرحاً وتعديلاً.
ومنها تفسير ابن المنذر وهو الإمام أبو بكر محمد بن ابراهيم النيسابوري المتوفى سنة ثمان عشرة وثلثمائة، ومنها تفسير البخاري وهو ما ذكره في صحيحه وجعله كتاباً منه، وله التفسير الكبير غير هذا ذكره الفربري، ومنها تفسير النحاس وهو أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي المصري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة قصد فيه الإعراب لكن ذكر القراآت التي يحتاج أن يبين إعرابها والعلل التي فيها وما يحتاج فيه من المعاني، ومنها تفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز وتسمى هذه الثلاثة الحاوي لجميع المعاني.
ومنها تفسير المهدوي وهو أبو العباس أحمد بن عمار التميمي المتوفى بعد الثلاثين وأربعمائة.
ثم من المفسرين من اقتصر في تفسيره على مجرد الرواية وقنع برفع هذه الراية كجلال الدين السيوطي في الدر المنثور وغيره في غيره من المسطور،
ومنهم من اكتفى بمجرد الدراية وجرد نظره إلى مقتضى اللغة العربية بصحيح العناية وهم الأكثرون، ومنهم من جمع بين الأمرين، وسلك المسلكين، وقليل ما هم وقليل من عبادي الشكور.
ومن أحسن التفاسير جمعاً بين الرواية والدراية فيما علمت تفسير الإمام الحافظ القاضي محمد بن علي بن محمد الشوكاني اليمني المتوفى سنة خمسين ومائتين وألف الهجرية، وهو تفسير كبير بالقول في مجلدات أربع.
وطالما يدور في خلدي أن أحرر في التفسير كتاباً يحتوي على أمرين، ويجمع طريقين على الوجه المعتبر في الورد والصدر، غير مشوب بشيء من التفسير بالرأي الذي هو من أعظم الخطر، وكنت أنتهز له الفرصة في البلاد والقرى، وأقدم رجلاً وأؤخر أخرى لصعوبة المرام، وعزة المقام، فأين الحضيض من الذرى والثريا من الثرى، فحال بيني وبين ما كنت أخال، تراكم المهمات وتزاحم الأشغال وابتليت بتدبير مصالح العباد في مدينة بهوبال، وانصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال، وأنا أصرف جهدي والمراد ينصرف، والمقصود يتقاعس عن الحصول وينحرف، والأيام تحول وتحجز، والليالي تعد ولا تنجز، حتى سألني جماعة من أهل العلم ممن يتحرى إتباع السنة والكتاب، ويجتنب الإبتداع في كل باب، وألحوا علي وأظهروا الفقر إلي ولم يسعني إلا إسعاف ما أمِلوه، وإنجاح ما سألوه، فأجبتهم معتمداً على فضل الله وتيسيره ممتثلاً بوصية رسول الله - ﷺ - فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري ويرفعه: " إن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً " (١) ومقتدياً بالسلف الماضين في تدوين علوم الدين إبقاء على الخلق وإيفاء للحق.
وليس على ما جمعوه وصنفوه مزيد، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، إيقاظاً للنائمين، وتحريضاً للمتثبطين، فحررت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوه واستمنحوه كتاباً في أيسر زمان وأحسن تقدير، متوسطاً بين الطويل الممل والقصير المخل،
_________
(١) الترمذي كتاب العلم باب ٤.
وجمعته جمعاً حسناً بعبارة سهلة وألفاظ يسيرة مع تعرض للترجيح بين التفاسير المعارضة في مواضع كثيرة، وبيان للمعنى العربي والإعرابي واللغوي مع حرص على إيراد صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي ومن عظماء الصحابة وعلماء التابعين، ومن دونهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين كابن عباس حبر هذه الأمة ومن بعده من الأئمة مثل مجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وأبي العالية والقرظي والكلبي والضحاك ومقاتل والسدي وغيرهم من علماء اللغة والنحو كالفراء والزجاج وسيبويه والمبرد والخليل والنحاس.
ولكن الثابت الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي وإن كان المصير إليه متعيناً. وتقديمه متحتماً، هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن. والثابت من التفسير عن الصحابة ومن تبعهم بالاحسان: إن كان من اللفظ الذي قد نقله الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف ذلك المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب العرباء فبالأولى تفاسير من بعدهم من تابعيهم وسائر الأئمة.
وأيضاً كثيراً ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي يتبين بها دقائق العربية وأسرارها كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير اللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه؛ وقد قال سفيان ليس في تفسير القرآن اختلاف. إنما هو كلام جامع يراد منه هذا وهذا؛ وقال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً.
وأخرج ابن سعد أن علياً قال لابن عباس: " اذهب إليهم (يعني الخوارج) ولا تخاصمهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة ".
وأيضاً لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن. ولا اعتبار بما لا يصح كالتفسير
المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي أردته والمسلك الذي قصدته.
وأذكر الحديث معزواً إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأني آخذه من الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفاً ولا يبينوه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه أنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيراً التصريح بالصحة والحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقاً إن شاء الله تعالى.
واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور، قد اشتمل على غالب ما في تفسيرات السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر، وقد اشتمل هذا التفسير مني على جميع ما تدعو إليه الحاجة مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظاً واتحد معنى بقولي ومثله أو ونحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها زبر أهل الرواية، ووجدتها في غيرها من تفاسير علماء الدراية، وعوائد لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف أو تعقب أو جمع أو ترجيح، مع تحرير للمقاصد بحسب ما يراد ولا يذاد، وتقرير للمعاقد بحيث لا يضاد ولا يصاد، ولم آل جهداً في حسن تحريره وتهذيبه وسعياً في لطافة مزجه بالمفسر وترتيبه بألفاظ تنفتح لها الآذان وتنشرح بها الصدور، ومعان تتهلل بها وجوه الأوراق وتتبسم ثغور السطور، رغبة إلى الدخول من أبوابه والكون من أحزابه، ونشاطاً إلى القعود في محرابه، وبذلاً للقوة في إيراد مباحث قلت عناية المتأخرين بها من المفسرين، وقد بالغ في الاعتناء بها المحققون من المتقدمين، لا سيما السمعيات التي هي المطلب الأعلى، والمقصد الأقصى في
أصول الدين، والعروة الوثقى والعمدة القصوى لأهل الحق واليقين، مع تنقيح للكلام، وتوضيح للمرام، يهتزله علماء البلاد في كل ناد، ولا يغض منه إلا كل هائم في واد، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلله فما له من هاد.
ووطنت النفس على سلوك طريقة، هي بالقبول عند الفحول حقيقة، مقتصراً فيه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وقصص لا تصح وأعاريب محلها كتب العربية.
وحيث ذكرت فيه شيئاً من القراآت فهو من السبع المشهورات إلا ما شاء الله، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها أو لورودها وإذا قرع سمعك ما لم تسمع به من المحصلين، فلا تُسرع وقف وقفة المتأملين لعلك تطلع بوميض برق إلهي، وتألق نور رباني من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة على برهان له جلي أو بيان من سلف صالح واضح وضي.
وقد تلقيت هذا التفسير بحمد الله من تفاسير متعددة عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، وانتشرت واشتهرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم وجميع المسلمين ومن أخلفهم في مستقر رحمته من فراديس جنته.
فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه وأصاب غرض الحق سهمه، مفيد لمن أقبل على تحصيله، مفيض على من تمسك بذيل إجماله وتفصيله، وقد اشتمل على جميع ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فرائد وقواعد شوارد، من صحيح الدراية، وصريح الرواية.
فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة أنظر تفاسير المعتمدين على الرواية ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب ونهاية مآرب أرباب الألباب، وأسوة المتبعين، وقدوة الناسكين، وهدى للمتقين.
وقد جاء بحمد لله كنزاً مدفوناً من جواهر الفوائد، وبحراً مشحوناً بنفائس الفرائد، في لطائف طالما كانت مخزونة، وعن الإضافة مصونة، بتقارير ترتاح لها نفوس المحصلين الكاملين وتنزاح منها شُبه المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وتضحَى أنوارها في قلوب السعداء وتطلع نيرانها على أفئدة الأعداء لا يعقل بيناتها إلا العالمون، ولا يجحد بآياتها إلا القوم الظالمون وسميته: (فتح البيان في مقاصد القرآن) وهو اسم له تاريخي، مستمداً من الله سبحانه بلوغ الغاية، والوصول بعد هذه البداية إلى النهاية، راجياً منه جل جلاله أن يديم به الانتفاع، ويجعله من الذخائر التي ليس لها انقطاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اعلم أن الأحاديث في فضائل القرآن كثيرة جداً ولا يتم لصاحب القرآن ما يطلبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهم معانيه، فإن ذلك هو الثمرة من قراءته.
قال القرطبي (١) ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم معنى ما يتلوه، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، وما أقبح به أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً.
وينبغي له أن يعرف المكي من المدني، ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخره وما فرض في أول الإسلام، وما زاد عليهم من الفرائض في آخره، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن انتهى.
وقد جمعت في بيان ناسخ القرآن والحديث ومنسوخهما مؤلفاً سميته إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ، وهو بالفارسية.
وأجاب الشوكاني رحمه الله تعالى عمن سأله عن العوام والنساء الذين
_________
(١) راجع تفسير القرطبي ٣٢ وما بعدها.
يقرؤون القرآن من غير معرفة حلاله وحرامه ومعانيه هل لهم الأجر الوارد من غير نقص أم لا، فقال: " الأجر على تلاوة القرآن ثابت لكنه إذا كان بتدبر معانيه فأجره مضاعف، وأما أصل الثواب بمجرد التلاوة فلا شك في حصوله، والله سبحانه لا يضيع عمل عامل منهم انتهى، فيمكن حمل ما ذكر هنا أولاً على مضاعفة الأجر الموعود به لا مجرد الإثابة على نفس التلاوة ".
وأما ما جاء عن الصحابة والتابعين في فضل التفسير فعن علي أنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم وقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل الله، وقال الشعبي: رحل مسروق في تفسير آية إلى البصرة فقيل له إن الذي يفسرها رجل في الشام فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها، وقال عكرمة: في قوله سبحانه (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله) طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. قال ابن عبد البر: هو ضميرة بن حبيب، وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - ﷺ - ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال: هي حفصة وعائشة.
وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرؤن القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من عند مليكهم ليلاً، وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤا ما في الكتاب.
وللسلف رحمهم الله من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر، وعن عثمان
قال: قال رسول الله - ﷺ - " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (١) رواه البخاري، وعن عائشة قالت: قال رسول- الله - ﷺ - " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (٢) متفق عليه.
_________
(١) البخاري/٥٠٢٧ باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه
(٢) مسلم/٢٤٤ - ابن ماجة/٥٢ - مسند أحمد ٦/ ٩٨
وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين (١) " رواه مسلم، وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه (٢) " رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ - " يقال لصاحب القرآن اقرأ وآرقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها (٣) " رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي.
وأخرج الدارمي والترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - " إن الذي ليس في جوفه من القرآن كالبيت الخرب " (٤) قال الترمذي هذا حديث صحيح، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ - " يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (٥) رواه الترمذي والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ - " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول ال م حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (٦) رواه الترمذي وصححه والدارمي وعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق " (٧) رواه الدارمي، وعن علي قال: قال رسول الله - ﷺ - " من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار " رواه أحمد والترمذي واستغربه ابن ماجة
_________
(١) مسلم/٢٦٩ - صحيح الجامع الصغير ١٨٩٢
(٢) مسلم/٨٠٤ -
(٣) أبو داود/١٤٦٤ - الترمذي/٢٩١٤
(٤) الترمذي/٢٩١٣
(٥) الترمذي ٢٩٢٦ بخلافات يسيرة في الرواية
(٦) الترمذي ٢٩١٠
(٧) الدارمي كتاب فضائل القرآن الباب الأول.
والدارمي وفيه حفص بن سليمان يضعف في الحديث (١).
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ - " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها (٢) " متفق عليه.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الإعتصام بالكتاب والسنة.
وأما أحاديث فضائل القرآن سورة سورة فلا خلاف بين من يعرف الحديث إنها موضوعة مكذوبة، وقد أقر به واضعها أخزاه الله بأنه الواضع لها وليس بعد الاقرار شيء، ولا اغترار بمثل ذكر الزمخشري لها في آخر كل سورة فإنه وإن كان إمام اللغة والآلات على اختلاف أنواعها، فلا يفرق في الحديث بين أصح الصحيح وأكذب الكذب، ولا يقدح ذلك في علمه الذي بلغ فيه غاية التحقيق. ولكل علم رجال، وقد وزع الله سبحانه الفضائل بين عباده، والزمخشري نقل هذه الأحاديث عن تفسير الثعلبي، وهو مثله في عدم المعرفة بعلم السنة.
وقد أخطأ من قال إنه يجوز التساهل في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال، وذلك لأن الأحكام الشرعية متساوية الاقدام، لا فرق بين واجبها ومحرمها ومسنونها ومكروهها ومندوبها فلا يحل إثبات شيء منها إلا بما تقوم به الحجة: وإلا فهو من التقول على الله بما لم يقل ومن التجرىء على الشريعة المطهرة بإدخال ما لم يكن منها فيها، وقد صح تواتراً أن النبي - ﷺ - قال " من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (٣) " فهذا الكذاب الذي كذب على رسول الله - ﷺ - محتسباً للناس بحصول الثواب لم يربح إلا كونه من أهل النار.
وأما الذي يقرأ القرآن ولا يعرف معناه كالعوام فالأجر على تلاوة القرآن
_________
(١) مشكاة المصابيح ٢١٤٠.
(٢) البخاري/٥٠٣٣ - مسلم/٧٩١
(٣) البخاري ١/ ٢٨ وانظر إلى ما كتبه السيوطي حول هذا الحديث حيث جمع له أكثر من سبعين رواية في كتابه القيم تحذير الخواص من أكاذيب القصاص وقد صدر بتحقيق د. محمد الصباغ.
ثابت، لكنه إذا كان يتدبر معانيه ويمكنه فهمها فأجره مضاعف، وأما أصل الثواب بمجرد التلاوة فلا شك فيه والله سبحانه لا يضيع عمل عامل، وتلاوة القرآن كتابه سبحانه من أشرف الأعمال لفاهم ولغير فاهم، وإذا أضاع أحد ما اشتمل عليه القرآن من الأحكام أثم من جهة الاضاعة لا من جهة التلاوة والله أعلم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - " نزل القرآن على خمسة: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا الحلال وحرموا الحرام واعملوا بالمحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال (١) "، أخرجه البغوي، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (٢))، رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " المراء في القرآن كفر (٣) " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي - ﷺ - قوماً يتدارءون في القرآن فقال: " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه (٤) " رواه أحمد وابن ماجة.
قال البغوي في تفسيره قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه، وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئاً من غير علم، فأما التأويل وهو صرف الآية إلى معنى يحتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم، أما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل.
_________
(١) مشكاة المصابيح/١٨٢
(٢) مشكاة المصابيح/٢٣٤ والترمذي وسنده ضعيف
(٣) صحيح الجامع الصغير/٦٥٦٣ ومشكاة المصابيح/٢٣٦
(٤) أحمد ١/ ١٨٥ المشكاة/٢٣٧
وأصل التفسير من التفسرة وهو الدليل الذي ينظر فيه الطبيب فيكشف عن علة المريض، كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها، واشتقاق التأويل من الأول وهو الرجوع يقال أولته فآل أي صرفته فانصرف انتهى، والفرق بينهما أن التفسير موقوف على النقل المسموع، والتأويل موقوف على الفهم الصحيح.
وفي الحديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف " (١) واختلفوا في المراد بها على أقوال ذكرتها في الأكسير.
والسور باعتبار الناسخ والمنسوخ على أقسام، ذكر سليمان الجمل بعض ذلك في حاشيته على الجلالين، وقد أوضحت المرام في إفادة الشيوخ بما لا مزيد عليه، وتفصيل حروف القرآن ذكرها النسفي في كتابه (مجمع العلوم ومطلع النجوم) وليست هذه من التفسير في شيء وأما علوم القرآن فقد استوعبها السيوطي في الاتقان، على وجه البسط والإيقان، ولا دخل لكلها في فن التفسير، وعقد النظام النيسابوري في تفسيره مقدمات أكثرها بمعزل عن علم التفسير، ولهذا لم نتكلم عليها في تفسيرنا هذا إلا في الشيء اليسير.
وها أنا أشرع الآن بحمد الله في تحرير ما هو بصائر أولي النهى والتمييز، في تفسير الكتاب العزيز، وبحسن توفيقه أقول وهو الموفق لكل خير والمعطي كل مسؤول. المؤلف
_________
(١) صحيح الجامع/١٥٠٧ وانظر مقدمة تفسير القرطبي حول هذا الموضوع ص ٣٨ وما بعدها.
سورة الفاتحة
أي فاتحة الكتاب معناها أول ما من شأنه أن يفتتح به الكتاب، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، وإشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى (من) كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له، وسميت بذلك لأن القرآن افتتح بها إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن، وقد اشتهرت بهذا الإسم في أيام النبوة، قيل أنها مكية وهو قول أكثر العلماء، وقيل مدنية وهو قول مجاهد، وقيل أنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلوات الخمس، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة جمعاً بين الروايات، والأول أصح قاله البغوي، ورجحه البيضاوي.
وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيب السور والآيات أي تتوقف على نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، وإنما هذا على الارجح، والسورة طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف، والسورة قد يكون لها إسم واحد، وقد يكون لها إسمان أو أكثر.
وأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابة في مصاحفهم، وإنما هو شيء ابتدعه الحجاج كما ابتدع إثبات الأعشار والأسباع، وسميت هذه أم القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده، أو على جملة
معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، والمراد بالقرآن هو المراد بالكتاب، وسميت أيضاً أم الكتاب لأنه يبدأ بقراءتها في الصلاة، قاله البخاري في الصحيح.
وقال أبو السعود مناط التسمية ما ذكر في أم القرآن لا ما أورده البخاري، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، قال ابن كثير وصحح تسميتها بالسبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة أو لتكرر نزولها وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم " (١) وأخرج ابن جرير عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: " قال هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني " (٢)؛ وأخرج نحوه ابن مردويه والدارقطني من حديثه: " وقال كلهم ثقات.
ومن أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز والوافية، وسورة الحمد، وسورة الصلاة، وتسمى الكافية لأنها تكفي عن سواها في الصلاة ولا يكفي سواها عنها، وسورة الشفاء والشافية لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: " هي الشفاء من كل داء " وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلاً اشتكى إليه وجع الخاصرة فقال عليك بأساس القرآن (٣).
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني فيما مَنَّ به عليَّ فاتحة الكتاب وقال: هي كنز من كنوز عرشي (٤) "، وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن علي نحوه مرفوعاً، وذكر القرطبي للفاتحة اثني عشر اسماً، وقد ذكر السيوطي في الإتقان خمسة وعشرين اسماً للفاتحة.
_________
(١) الإمام أحمد ٢/ ١٥٢ وانظر الفتح الرباني جزء ١٨/ ٦٦.
(٢) رواه أحمد الترمذي وصححه والبخاري تفسير ١/ ١ وتمام الحديث ص ٣٠.
(٣) راجع زاد المسير ١/ ١٠.
(٤) ضعيف الجامع/١٥٦١.
وهي سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره، قال القرطبي: أجمعت الأمة على أنها سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ، وعن عمرو بن عبيد أنه جعل (إياك نعبد) آية فهي عنده ثمان وهو شاذ انتهى، وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي:
وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين أن أبيّ بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعود شيئاً منهن، وقد خالف في ذلك إجماع الصحابة وسائر أهل البيت ومن بعدهم، وأخرج ابن حميد عن إبراهيم قال كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال لو كتبتها لكتبت في أول كل شيء.
وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث: منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - ﷺ - قال له " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال نعم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (١).
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب أن النبي- ﷺ - قال له أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها (٢)؟ ثم أخبره أنها الفاتحة.
وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن جابر: " أن رسول الله - ﷺ - قال له: ألا أخبرك بآخر سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها (٣)، " وفي سنده ابن عقيل، وقد احتج به
_________
(١) النسائي/٢٦ - أبو داود الوتر/١٥ - أحمد ٤/ ٢١١ - البخاري تفسير ١/ ١.
(٢) الترمذي- ثواب القرآن ١ - أحمد ٢/ ٤١٣ و ٥/ ١١٤.
(٣) أحمد وصحيح الجامع الصغير ٢٥٨٩.
كبار الأئمة وبقية رجاله ثقات، وابن جابر هذا هو العبدي كما قال ابن الجوزي وقيل الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال لما أخبره بأن رجلاً رقى سليماً بفاتحة الكتاب: " وما كان يدريه أنها رقية " الحديث (١).
وأخرج مسلم والنسائي عن ابن عباس قال " بينا رسول الله - ﷺ - وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبرائيل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح لنبيٍّ قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي - ﷺ - فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته (٢) ".
وأخرج مسلم والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام " (٣) وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - " إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت (٤) ".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: " فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم (٥) "، وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه وحديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك ابن عمير قال: قال رسول الله - ﷺ - في فاتحة الكتاب " شفاء من كل داء (٦) ".
_________
(١) انظر الحديث بتمامه مسلم ٤/ ٢٢٠١ والبخاري ١١٣٢.
(٢) انظر الحديث بتمامه مسلم ١/ ٨٠٦.
(٣) انظر الحديث بتمامه مسلم ١/ ٣٩٥.
(٤) ضعيف الجامع ٨٢٢.
(٥) ضعيف الجامع ٣٩٥٤ و٣٩٥٥.
(٦) ضعيف الجامع ٣٩٥٤ و٣٩٥٥.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن جرير والحاكم وصححه عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله ﷺ ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله أعندك ما تداوي به هذا فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية أجمع بناني ثم أتفل فبرأ فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي صلى الله عليهه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال " كُل فمن أكل برقية باطلة فقد أكلت برقية حق (١) ".
وعن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب ثلثا القرآن (٢)، وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عنه قال: قال رسول الله - ﷺ - " من قرأ أم القرآن وقل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن "، وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي - ﷺ - " فاتحة الكتاب تعدل بثلث القرآن (٣) " وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن أنس قال كان النبي - ﷺ - في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي - ﷺ - فقال: " ألا أخبرك بأفضل القرآن فتلا عليه الحمد لله رب العالين (٤) ".
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ - " فاتحة الكتاب تجزىء ما لا يجزىء شيء من القرآن، ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات (٥) ".
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله - ﷺ -
_________
(١) صحيح الجامع ٤٣٧٠.
(٢) انظر ضعيف الجامع ٥٩٥٣.
(٣) من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن الزوائد ٧/ ١٤٦.
(٤) الحاكم ١/ ٥٦٠.
(٥) ضعيف الجامع/٣٩٥٢.
من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، إلى غير ذلك من الأحاديث.
ثم الاستعاذة قبل القراءة سنة عند الجمهور لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) واختلفوا في لفظها المختار، ولا يأتي بكثير فائدة، ومعنى أعوذ بالله ألتجىء إليه وأمتنع به مما أخشاه، من عاذ يعوذ والشيطان أصله من شطن أي تباعد من الرحمة أو من شاط إذا هلك واحترق، والأول أولى.
والشيطان اسم لكل عات من الجن والإنس، والرجيم من يرجم بالوسوسة أو مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة.
والاستعاذة تطهر القلب عن كل شيء شاغل عن الله.
ومن لطائفها أن قوله (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إقرار من العبد بعجزه وضعفه وبقدرة الباري على دفع جميع المضرات.
سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)
(وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي ما تخفيه فليس التأخير لخفاء حالهم عليه، قرئ بضم التاء من أكن، وبفتحها وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وأخفيت أثره (وما يعلنون) من أقوالهم وأفعالهم، ويظهرونها. وقال ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.
صفحة رقم 67فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري