ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله :«نُودِي » في القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه :
أحدها١ : أنه ضمير موسى، وهو الظاهر، وفي «أن » حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول٢.
والثاني : أنها الناصبة للمضارع، ولكن وصلت هنا بالماضي، وتقدم تحقيق ذلك، وذلك على إسقاط الخافض، أي : نودي موسى بأن بورك٣.
الثالث : أنها المخففة، واسمها ضمير الشأن، و «بورك » خبرها، ولم يحتج هنا إلى فاصل، لأنه دعاء٤، وقد تقدم نحوه في النور، في قوله : أَنْ غَضِبَ [ النور : ٩ ] - في قراءته فعلاً ماضياً٥ - قال الزمخشري : فإن قلت : هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، والتقدير٦ : بأنه بورك، والضمير ضمير الشأن والقصة٧ ؟.
قلت : لا ؛ لأنَّه لا بدَّ من ( قَدْ )، فإن قلت : فعلى إضمارها ؟.
قلت : لا يصحّ، لأنها علامة، والعلامة لا تحذف٨ انتهى.
فمنع أن تكون مخففة لما ذكر، وهذا بناء منه على أنَّ «بُورِكَ » خبر لا دعاء، أما إذا قلنا إنه دعاءكما تقدم في النور فلا حاجة إلى ( الفاصل كما تقدم، وقد تقدم فيه استشكال، وهو أن الطلب لا يقع خبراً في هذا الباب، فكيف وقع هذا خبراً ل ( أن ) المخففة، وهو دعاء.
الثاني من الأوجه الأول : أن القائم مقام )٩ الفاعل نفس «أَنْ بُورِكَ » على حذف حرف الجرّ، أي : بأن بورك، ف ( أَنْ ) حينئذ إمّا ناصبة في الأصل، وإمّا مخففة١٠.
الثالث : أنه ضمير المصدر١١ المفهوم من الفعل، أي : نودي النِّداء، ثم فسِّر بما بعده١٢ ومثله ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ [ يوسف : ٣٥ ].
قوله : مَنْ فِي النَّارِ مَنْ قَائمٌ مقام الفاعل ل «بُورِكَ »١٣، وبَارَكَ يتعدى بنفسه، ولذلك١٤ بُنِيَ للمفعول، يقال : بَارَكك اللَّهُ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وبَارَكَ فِيكَ، وَبَارَكَ لَكَ١٥، وقال الشاعر :
٣٩٣٠ - فَبُورِكْتَ مَولُوداً وبُورِكْتَ نَاشِئاً *** وبُورِكْتَ عِنْدَ الشَّيبِ إذْ أَنْتَ أَشْيَبُ١٦
وقال عبد الله بن الزبير :
٣٩٣١ - فبُورك في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ *** إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِدَاءُ١٧
وقال آخر :
٣٩٣٢ - فَبُورِكَ في المَيتِ الغَرِيبِ كَمَا *** بُورِكَ١٨ نبع الرُّمَّانِ والزَّيْتُون١٩

فصل٢٠ :


والمراد ب «مَنْ » إما الباري تعالى، وهو على حذف مضاف، أي من قدرته وسلطانه في النار٢١، وقيل المراد به موسى والملائكة، وكذلك ب «مَنْ حَوْلَهَا »، وقيل المراد ب «مَنْ » غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها٢٢، فالأول مروي عن ابن عباس، وروى مجاهد عنه أنه قال : معناه بوركت النار٢٣. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضاً، قال : سمعت أبيّاً يقرأ : أَنْ بُورِكَتِ النَّارُ وَمَنْ حَوْلَهَا ٢٤ و «مَنْ » : قد تأتي بمعنى ( ما ) كقوله : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ [ النور : ٤٥ ]، و ( مَا ) قد تكون صلة في الكلام، كقوله٢٥ : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ ٢٦، ومعناه : بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وفيمَنْ حَوْلَهَا وهم الملائكة وموسى عليهم السلام٢٧، وقال الزمخشري : بُورِكَ مَن فِي النار : بورك من في مكان النار ومن حولها : مكانها، ومكانها : هي البقعة التي حصلت فيها، وهي البقة المذكورة في قوله تعالى٢٨ : مِن شاطئ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة [ القصص : ٣٠ ] وتدل عليه قراءة أبيّ٢٩.
قوله :«وَسُبْحَانَ اللَّهِ » فيه أوجه :
أحدها : أنه من تتمّة النداء : أي : نودي بالبركة وتنزيه ربِّ العزَّة، أي : نودي بمجموع الأمرين٣٠.
الثاني : أنه من كلام الله تعالى مخاطباً لنبينا محمد – عليه الصلاة والسلام٣١ -، وهو على هذا اعتراض بين أثناء القصة٣٢.
الثالث : أنّ معناه وبُورِكَ من٣٣ سَبَّحَ اللَّهَ، يعني أنه حذف ( مَنْ ) وصلتها، وأبقى معمول الصلة، إذ التقدير : بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا، ومن قال : سُبْحَانَ اللَّهِ٣٤ و «سُبْحَانَ » في الحقيقة ليس معمولاً لقال، بل لفعل من لفظه، وذلك الفعل هو المنصوب بالقول.

فصل :


روي٣٥ عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله : بُورِكَ مَن فِي النار يعني : قُدِّس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه على معنى : أنه نادى موسى منها، وأسمعه كلامه من جهتها، كما روي أنه مكتوب في التوراة :«جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران »، فمجيئه من سيناء بعثته موسى منها، ومن ساعير بعثته المسيح، ومن جبال فاران بعثته المصطفى منها، وفاران : مكة. وهل كان ذلك نوره عز وجل ؟.
قال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث :«حجابُهُ النَّارُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ٣٦ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خلقه٣٧ »٣٨ والسبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها : حدوث هذا الأمر العظيم فيها، وهو تكليم موسى وجعله رسولاً، وإظهار المعجزات عليه، ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا [ الأنبياء : ٧ ] وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء عليهم السلام٣٩ ومهبط الوحي، وكفاتهم أحياء وأمواتاً٤٠.
١ في ب: أحدهما. وهو تحريف..
٢ انظر الكشاف ٣/١٣٤، التبيان ٢/١٠٠٤، البحر المحيط ٧/٥٥..
٣ انظر التبيان ٢/١٠٠٤، البحر المحيط ٧/٥٥..
٤ المرجعان السابقان..
٥ وهي قراءة نافع. انظر السبعة(٤٥٤)..
٦ في الكشاف: وتقديره نودي..
٧ والقصة: ليس في عبارة الزمخشري..
٨ في الكشاف: لأنها علامة لا تحذف. الكشاف ٣/١٣٤..
٩ ما بين القوسين سقط من ب..
١٠ انظر البيان ٢/٢١٩، التبيان ٢/١٠٠٤..
١١ في ب: المضمر..
١٢ انظر التبيان ٢/١٠٠٤، البحر المحيط ٧/٥٥..
١٣ انظر التبيان ٢/١٠٠٤..
١٤ في ب: وكذلك..
١٥ انظر اللسان (برك)..
١٦ البيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٣/١٥٨، البحر المحيط ٧/٥٥. والشاهد فيه بناء الفعل (بارك) للمفعول، لأنه فعل متعد..
١٧ البيت من بحر الوافر، قاله عبد الله بن الزبير، وهو في الحماسة البصرية ١/٤٣٩، البحر المحيط ٧/٥٥، والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق..
١٨ في ب: ورك في..
١٩ البيت من بحر الخفيف، قاله أبو طالب بن عبد المطلب في رثاء مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وهو في ديوانه (٢١) برواية:
بورك البيت... كما *** بورك نبع... والتين
وتفسير ابن عطية ١١/١٧١، المفضليات (١٩٣)، اللسان (برك)، وفيه (نضح) مكان (نبع) البحر المحيط ٧/٥٥، والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق..

٢٠ فصل: سقط من ب..
٢١ انظر البحر المحيط ٧/٥٥-٥٦..
٢٢ المرجع السابق..
٢٣ انظر البغوي ٦/٢٦٠..
٢٤ المرجع السابق ٦/٢٦١..
٢٥ في ب: لقوله..
٢٦ من قوله تعالى: جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب[ص: ١١]. والاستدلال بها على أن (ما) زائدة. البيان ٢/٣١٣، التبيان ٢/١٠٩٨..
٢٧ انظر البغوي ٦/٢٦١..
٢٨ تعالى: سقط من ب..
٢٩ انظر المحتسب ٢/١٣٤..
٣٠ قال أبو حيان: (والظاهر أن قوله: "وسبحان الله رب العالمين" داخل تحت قوله"نودي"). البحر المحيط ٧/٥٦..
٣١ في ب: صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم..
٣٢ انظر البحر المحيط ٧/٥٦..
٣٣ من: سقط من ب..
٣٤ وعليه فهو من كلام الله تعالى. حكاه القرطبي وأبو حيان عن ابن شجرة. انظر القرطبي ١٣/١٦٠، البحر المحيط ٧/٥٦..
٣٥ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٦/٢٦١..
٣٦ وجهه: سقط من ب..
٣٧ انظر تفسير ابن كثير ٣/٣٥٧..
٣٨ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٦/٢٦١..
٣٩ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٤٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية