ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

فلما جاءها أي : النار التي أبصرها نُودِيَ من جانب الطور أن بُورِكَ ، على أنّ " أنْ " مفسرة ؛ لما في النداء من معنى القول. أو : بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل : مخففة، ولا ضرر في فُقدان الفصل ب " لا "، أو قد، أو السين، أو سوف ؛ لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي : أنه، أي : الأمر والشأن بُورِكَ أي : قدّس، أو : جعل فيه البركة والخير، مَن في النار ومَنْ حولها أي : من في مكان النار، وهم الملائكة، ومَنْ حولها أي : موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة.
وقال ابن عباس والحسن :( بورك من في النار أي : قُدِّس من في النار، وهو الله تعالى ) أي : نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو : من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزّه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال : وسبحان اللهِ أي : تنزيهاً له عن الحلول في شيء، وهو ربّ العالمين .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه١. وقوله تعالى : أن بورك من في النار... تقدم قول ابن عباس وغيره : أن المراد بمن في النار : نور الحق تعالى. قال بعض العلماء : كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار ؛ لأن موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. هـ. ومنه حديث :" حجُابه النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصره٢ "، أي : حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوار الملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء.
وقال سعيد بن جبير :( هي النار بعينها )، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث :" حجابه النار " ومعنى كلامه : أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله :
هو النورُ المحيط بكل كَون ***...
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لِما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير