ثم إنه تعالى لما خوّفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة، مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر، فقال :
أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً (١) مضيئاً يبصر فيه. قوله :«لِيَسْكُنُوا فِيهِ » قيل : فيه حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، إذ التقدير : جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه، والنهار مبصرا ليتصرفوا فيه، فحذف «مظلماً » لدلالة «مبصراً » و «لتتصرفوا » لدلالة «ليسكنوا »(٢). وقوله :«مُبْصِراً » كقوله : آيَةَ النهار مُبْصِرَةً [ الإسراء : ١٢ ]، وتقدم تحقيقه في الإسراء(٣)، قال الزمخشري : فإن قلت : ما للتقايل لم يراع في قوله :«لِيَسْكُنُوا » و «مُبْصِرَةٌ » حيث كان أحدهما علة(٤)، والآخر حالاً ؟ قلت : هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف(٥) يريد لم لا قال : والنهار لتتصرفوا فيها، وأجاب(٦) غيره(٧) بأن السكون في الليل هو المقصود ( من الليل وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود )(٨) لأنه وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية. (٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدقون فيعتبرون، وخص المؤمنين بالذكر - وإن كانت الأدلة للكل - لأن المؤمنين هم المنتفعون(١٠)، كقوله : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [ البقرة : ٢ ].
٢ انظر البحر المحيط ٧/٩٩..
٣ عند قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً[الإسراء: ١٢]..
٤ في ب: جملة. وهو تحريف..
٥ الكشاف ٣/١٥٤..
٦ في ب: فأجاب..
٧ وهو ابن الخطيب..
٨ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢١٩..
١٠ المرجع السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود