المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما أفاض به على موسى من نعمه في الصغر من إنجائه من الهلاك بعد وضعه في التابوت وإلقائه في النيل، وإنجائه من الذبح الذي عم أبناء بني إسرائيل - أردفه ذكر ما أنعم به عليه في كبره من إيتائه العلم والحكمة ثم إرساله رسولا ونبيا إلى بني إسرائيل والمصريين، ثم ذكر ما حصل منه من قتل المصري الذي اختصم مع اليهودي بوكزه بجمع يده وكان ذلك سببا في موته، ثم طلبه المغفرة من ربه على ما فعل، ثم تصميمه وعزمه ألا يناصر غويا مجرما، ثم أعقب بذكر خصام آخر بين ذلك اليهودي وقبطي آخر وقد هم موسى بإغاثته أيضا، فقال له المصري : أتريد الإصلاح في الأرض أم تريد أن تكون من الجبارين المفسدين ؟
تفسير المفردات : المدينة : هي مصر، على حين غفلة : أي في وقت لا يتوقعون دخولها فيه، من شيعته : أي ممن شايعه وتابعه في الدين وهم بنو إسرائيل، من عدوه : أي من مخالفيه في الدين وهم القبط، فاستغاثه أي طلب غوثه ونصره، فوكزه أي فضربه بجمع يده، أي بيده، مجموعة الأصابع، فقضى عليه : أي فقتله وأنهى حياته، من عمل الشيطان : أي من تزيينه، مبين : أي ظاهر العداوة والإضلال.
الإيضاح : وبعد أن أخبره بتهيئته للنبوة ذكر ما كان السبب في هجرته إلى مدين وتوالي الأحداث الجسام عليه فقال :
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها أي ودخل مصر آتيا من عين شمس في وقت ليس من المعتاد الدخول فيه وهو وقت القائلة.
روي أنه دخلها مستخفيا من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه.
ثم أبان ما حدث منه حينئذ فقال :
فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان أي فوجد في مصر رجلين أحدهما من بني إسرائيل وثانيهما من القبط وهو طباخ فرعون وكان قد طلب منه أن يحمل حطبا للمطبخ فأبى، فطلب الإسرائيلي من موسى غوثه ونصره على عدوه القبطي، فضربه موسى بجمع يده في صدره وحنكه فقتله فقال : إن هذا الذي حدث من القتل هو من تزيين الشيطان ووسوسته.
ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه فقال :
إنه عدو مضل مبين أي إنه عدو فينبغي الحذر منه، مضل، فلا يقود إلى خير بين العداوة والإضلال.
تفسير المراغي
المراغي